HOMEPAGE         الصفحة الرئيسة

 

 

English

  - CV.

  - Books.

  - Photos.

  - Contact.

Francais

  - CV.

  - livres.

  - Photos.

  - Contact.

  -Libros.

 

مجموعات الكاتب القصصية

  - العطش .

  - الجبل لا يأتي .

  - حيطان من دم .

  - زمن الغياب .

 بحر رمادي غويط .

الكتب النقدية

 

  -  تراث البحر الفلسطيني .

  - المرأة في الرواية الفلسطينية.

كتب قيد النشر

  - دنكرك (ذاكرة مكان) .

  - مكاتيب للضوء .

دراســــــــــات

  - دراسات في أدب الكاتب.

  - دراسات للكاتب .

شهـــــــــادات

  - شهادات للكاتب.

  - شهادات مبدعين.

بحـر رمـادي غويـط
 
 
الطبعة الأولى :  اتحاد الكتاب الفلسطينيين

  القدس  ـ 2000  
 
 
 
 
الإهـــــداء
 
" إلى الذين يحفظون الأحلام المقهورة "
 
 
نوافذ أخرى للبوح

 
 
 
خلسة يتواعدان ، ملهوفاً ينتظرها ، يترقبها ، يلتقيان ، يجتازان ميادين وإشارات مرور حجرية ، يلهثان ، يتوقفان تحت شجرة البونسيانا التي تفترش بطن الرصيف ، خربشات ورسوم تهجع فوق جذعها ، يضيفان حروفاً وقلباً يخترقه سهم مدبب ، زهرات حمراء تتفكك فوق رأسيهما ، تتناثر خيوطاً على   أكتافهما ، يلتصقان ، أوراق المحاضرة الأخيرة تعلو حقيبتها ، علم الاجتماع ، التاريخ ، العمران ، الممالك .
يلامس شعرها المسترسل كُحلاً على ظهرها ، رائحة  رغبة ، احتراق ، حورية يرتمي في حضنها باحثاً عن أصوات تناديه عامرة بالوجد والتوق ، تتملص ، تأبى ، عصفور ينفض
 
 
ريشه ، ينسل باحثاً عن شق ، يرتد أجنحة متعبة.
عيون متطفلة تحملق ، تتحفز ، نظرات يطق منها الشرر تخترق مسامات جلده ، يحس بالعري ، يدور بلا إزار يستر أعضاءه تحت شمس تراوغ ليلاً محشوا ًبالضباب .
الأوراق الخضراء المشرشرة المصفوفة بعناية ترتمي مسجاة مذعورة ، يتسحبـان ، التقاء شارع ديجول بشارع الشهداء (1) أبراج تعطي ظهرها ، نساء بفساتين شفافة ، سراويل مزنوقة ، سيقان مصقولة ، نهود نافرة عرق يمتزج بأصباغ فاقعة داكنة باهتة .
النيونات عريشة تبهر البصر ، تاكسيات يتصاعد منها عطر نفاذ وأغانٍ صاخـبة ، بحر شاسع على بعد أمتار يتقيأ زبداً ورغواً ، هاتف نقال يتحدث ، ربما عن صفقة وقود ، أو أغذية مضروبة ، ربما يرتب موعداً مع امرأة بلحم وفير  متأجج ، تزوم وهى تفتح خزائنها المشتهاة .
يود لو يحدثها عن شارع ديجول ، ومالروا ، وهوجو ، وبودلير ، يصمت ، تصمت ، يفتحان فاهاً يغلقانه في آن    واحد ، الكلمات مصابيح مشنوقة فوق الأعمدة ، نوافذ مشروخة ألسنة معقودة ، مربوطة ، هاجعة .
تود لو تحدثه عن شوارع الشهداء والمقهورين ، دمهم الأخضر ، شواهدهم ، مزاراتهم .
 هل صدفة أن شارع الشهداء يمتد غرباً ليغشى باب  البحر ، يحتويه رعشات تغوص وتطفو تمائم متعبة ؟
تود لو تحدثه عن أب لم تره إلا من خلف ثقوب طبقات أسلاك الشبك .
مع الحبو حفظت كلمات " السبع ، نفحة ، المجدل ، السجون ، باصات الصليب الأحمر ، بنادق الحراس ، الزيارة ممنوعة " .. تتشبث بالأسلاك ، يجرونها ، تسأل عنه الزوايا المتشحة برائحة الضوء ، تراه مزهواُ يمرق على ناقة بيضاء تفتح الأبواب  المصفدة ، يجتاز مغاور وهضاباً ، وهاداً وتلالاً ، فيافي وأمصارًا ، يوغل صاعدًا في سماوات قصية مهيبة .
صمت يمتد ، البحر مدينة مُسوّرة بالعظام والجماجم والرغو ، يمضيان بعيداً عن النيونات والسيقان والعيون الملفعة بالفراغ .
على حواف المخيم يلتقيان ، طرق مبقورة البطن ، مقهى فارغ ، قطط ضالة تنتصب فوق حيطان واطئة ، أكوام قمامة ، نجوم دائمة الابتعاد ، شجرة جميزة عتيقة تتوسط المدخل ، ورقها أخضر يسيل ضوءاً لامعاً .
تناوله أوراقها ، يحتضنان الحروف ، شفق أحمر في سواد عينيها ، ناقة بيضاء مزهوة تصك قوائمها أبواباً مصفدة ، أصوات عامرة بالوجد والتوق تناديه ، تسند رأسها على كتفيه ،
 
يلتصقان ، فتنفتح نوافذ أخرى للبوح .
 
 
 
 
 
*   * *
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

1 ـ من شوارع مدينة غزة .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 دنكرك .. المخيم
 
 
 
 
هـل مازلت مشدوداً للحكواتي التي التقيتها في الجنوب الفرنسي تنتصب فوق مقعد خشبي أسفل (جراند هوتل) في مدينة (إكس بروفانس) ، حسبتها خارجة من غبار أقبية العصور القديمة ، الجبس الأبيض تعرجات وانثناءات تحتل أعضاءها .
تلقي فرنكات في صحنها الممدد على الرصيف ، ترمش ، تنحني عرفاناً لثانية لك ، تتبدل الحركة ، تتجمد الأعضاء ثانية ، تسترخي ، حركة جديدة ثابتة لا تتغير ، اليدان ، الرجلان ، الأصابع ، الوجه ، الشعر ،  العنق ، الأنفاس مشرئبة ، إلهة تنوء بغبار القرون ، تنتظر من يطلقها من القمقم ، يداعب الصحن ، يمنحه قطعة معدنية .
دقائق طويلة تمتد ، الرصيف يمضي بعابريه ، يتوقف البعض ، يسرع آخرون ، فرنكات شاحبة تتوارى في الصحن .
عقرب الثواني في ساعتك دقات راجفة ، دوي متصل ، ترسل لها ابتسامة تشجيع ، تلقي في الصحن فرنكاتك المتبقية ، نظرة ود تكسوك ، حركاتها الحبيسة تتفكك ، تتوالى ، طبول تدق ، تشتعل البراري والغابات ، حمم تندلع ، رقصات أسطورية تتشكل .
مُسمراً تتأمل تدفق أصابعها ، تمايل رأسها ، عنقها ، أكتافها ، خصرها ، لهاث ، ابتسامة عينيها تطوقك دقيقة ، خمساً ، عشراً ،  دهراً ، لا تدري .. يغادر التمثال قاعدته ، يتمدد متعباً مكدوداً إلى جوارك على الرصيف .
 
* * *
من بحر (مارسيليا) إلى بحر دنكرك (1) حملتك (بريجيت) ، جمعت أصداف المحيط من كل نوع ولون وشكل ، منحتها لك أصدافاً ملساء ، ناعمة ، خشنة ، متوترة ، صلبة ، مستديرة ، مقعرة ، محدودبة ، منكمشة ، متوثبة ، متدفقة كأنها عصارة ثدي رجراج فقد سيوره ، تشظى إلى نثار حينما فاجأته فحولة البحر و دغدغات ريح تمور ، تنوح كأنها خارجة من ضلوع الأرض السابعة ، تتشبث بنقطة هواء تتسلل إلى رئتيك ، تغسل
بها سراديب أزمنة الخرائب ، تلوذان بشفاه صدفة مكتنزة بالطحالب ، موشومة بدبيب الرمل ، تركضان حصاناً ينتظر الضفاف ، تتقاذفك الدوامات ، تعارك الموج و الضباب  المغبش .
تحتمي بأنفاس (نجوى) تغطس في ثنايا صدرها المرشوش برائحة بحر غزة ، تلاحقك أنياب دوريات البر و البحر تنتشر فوق مساماتك دمامل مفتوحة .
تتكاثف قطرات الماء غيمات مثقلة بشواظ لافح ، وغزة التي كانت تحلم بوسائد أوسلو و عرائس البحر مازالت تتمرغ في مسالكها الموحلة ، والبر شوك ، البر أسلاك مدببة ، البر أبراج مزينة بالقطيفة الحمراء ، مطهمة بالنحاس و الأجراس التي تصفع وجه المخيم .
تلوذ بهمسات (بريجيت) ، ينداح فوق وجهها حناء يفوح وداعة  و شراسة ، والأصداف قلائد تتوق إلى مداعبة عنقها ، تلتصقان ، تتراكضان فوق الرمال الناعمة ، تطربان لمرأى رجل على شاطئ المحيط ، يغطي أذنيه بسماعتين و أسلاك متصلة بعصا ، ينكش بجاروفه صفحة الرمل ، كشاف معادن .
ـ عمَ تفتش أيها الرجل ؟ يا من توشوش أحشاء التراب ، يا من تحتمي بالماء المملح ، يا من تطارد كنوزاً موهومة ، بقايا عملات مغموسة بالدم ، قطعاً أثرية غابرة .
هل أتاك الحظ يوماً ؟ هل وجدت ضالتك ؟ هل منحك البحر سره ؟ اصطدت شيئاً ، اصطدمت بشيء ، و البحر واسع غويط لا يعطي جسده إلا لمن يثق فيه .. وأمك هناك تقف على عتبات البحر ، تتشمم رائحة مواسم روبين (2) .. تتأمل بقعة دم مازالت تشهق في كفها لزوجٍ سقط في المنشية (3) .
يتوقف الرجل عن نبش التراب ، يناجي المخبوءات ، يلتقط شيئاً ما ، يتفحصه ، قطعة حديد مقددة ، متهالكة ، مليئة بالندوب و القروح .
ـ هذه حدوة الحظ ، ربما طافت بحار المعمورة ، اعتلت سفناً من كل نوع ، رافقت الكثيرين ، بحارة ، ركاباً ، غزاة ، متشردين ، تقاذفتها عرائس البحر ، تدلت من قيعان إلى  أخرى ، خذها أيها الغريب فقد يأتيك الحظ يوماً .
 
* * *
 
الجبس الأبيض ، التعرجات و الانبعاجات طبول تدوي ، يعتصرك الترقب و التحفز ، يتوه في داخلك المخيم ، و (نجوى) تتخطى الأزقة المخنوقة ، تكشف لك الطريق .. يرف في قلبك جناح طائر أبيض ، إشارة من يدها ، الطريق أمان ، تكاد تنسحق تحت دقات قلبها الراكض ، تتأمل صفحة وجهها ذي الملامح الهادئة ، تحملها زوادة بين ضلوعك ، تذوبان في عتمة الليل و غبار الزقاق .
يرتفع صوتك في قاعة ( الليتورال ) في دنكرك ، تتحدث عن حلم أمك الذي لم ينطفئ ، عن بقعة الدم التي لم تغادر راحة يدها ، عن الأب الذي تهاوى أمام باب بيته .
يقاطعك صوت ( عزرا ) :
ـ لسنا غزاة ، لم نسلب منكم أرضاً ، بل عدنا إلى  أرضنا .
ـ بل سلبتم كل شيء ، سحقتم فينا كل شيء ، حولتم طفولتنا إلى كوابيس ، أبي عاش في يافا ، المنشية ، سقط أمام بيتٍ أراد أن يحمي حجارته ، أمي حملت بي في يافا ، و آه من يافا لو تعلمون .
صوت بريجيت يندلع :
ـ فرنسية أنا ، سمعت بالكيبوتس الإسرائيلي كما سمع به أبناء جيلي ، قررت وتدبرت ، عشت عامين في الكيبوتس ، تعايشت معه ، كنت متلهفة لخوض تجربته ، عندما طرقت أسماعي لأول مرة أسماء أم الفحم ، رام الله ، غزة نصحوني أن أنسى ذلك ، أشطبه من حساباتي ، أزيحه من ذاكرتي حفاظاً على حياتي من أولئك المتوحشين ، ملأني إصرار على اكتشاف الجانب الآخر ، فتشت ، نقبت حتى وصلت إلى مخيم الدهيشة ، عشت شهراً بين غباره وقضبانه و أحلام أناسه ، شهراً كاملاً  كان كفيلاً بإزالة غشاوة سنوات .
التصفيق يرج القاعة ، تمتد أصابعك تحضن يدها بحرارة فيما ارتفعت راحتك الثانية تصافح وجهاً بملامح هادئة تكشف أستار الطريق ، تهدهدك كف موشومة ببقعة دم ، فيتصبب عرق يكوي مسامات جلدك ، فتثور في الأعماق قمم من الأشواق .  
 
 
 
* * *
 
 
 
 

1ـ دنكرك مدينة في شمال فرنسا .
2ـ من أكبر المواسم الشعبية في فلسطين قبل نكبة 1948 ، وكان يقام على ضفاف نهر روبين .
3 ـ من أحياء مدينة يـافـا المحتلة منذ 1948 .
 
 
 
 
 
 
 
 
بحر رمادي غويط
 
 

 
دوائر متراصة .. متداخلة .. ضجيج .. عرق يتكدس .. أصوات هائجة .. عربة "أوسلو" تنفث دخانها .. يعبر صفيرها .. تصك عجلاتها أرصفة المحطة ، ترسو قرب مقر الحاكم العسكري لمدينة غزة .. بناية المجلس التشريعي سابقاً ، مساحات للهدير .. هتافات .. قبضات .. الكل ينتظر زوال العلم الإسرائيلي .. لحظة تأخرت سبعاً وعشرين سنة .. نداءات .. أصوات متواثبة .. صبية ، كهول .. صبايا .. نجوم خافتة .. بحر غويط .. نساء محلولات الجدائل ، شعر يطول .. يمتد .. يداعب تجويف القمر .. قمصان ملونة .. عباءات .. حبال سميكة ، دخان .. بخار . بخور مذاب .. أجنة تتشكل في الغياهب .. تتجمع ..
تسد النوافذ .. حجارة .. مقاليع .. إطارات متقدة ، حواجز ، جرحى ، أسرى ، معاقون ، شهداء ، أسراب حمام ترشح أصدافاً متلألئة ، فرقاً ضاربة مضروبة .
المطارد .. الطريد .. العناكب .. وحدات الموت الخاصة .. الملثمون ، موزعو البيانات ، وعلب البوية ترش بألوان الطيف والسيف فعاليات السلوك السبع ..
برامج الانتفاضة :
ـ إضراب شامل غداً تضامناً مع …. احتجاجاً على …. استنكاراً لـ …. والويل كل الويل لمن يكسر الإضراب .
الويل والخرائب لكل من تسول له نفسه أن يخرج بسيارة .. لن تشفع له أو لمن معه التقارير الطبية المعتمدة أو غير المعتمدة ، فإضراب هذا الفصيل لن يكون أقل شأنًا من إضراب سواه .. الإضراب سينجح والفعاليات ستتم والإنجاز سيتحقق ، وأكاليل الغار ستعلو ، وما كتب في البيان ستعيه العيون وتحفظه الأذهان وترجف به الأذان :
ـ الويل كل الويل لمن يُسوّق البضائع الإسرائيلة .
.. لم تعد تلمح قشرة موز أو بقايا بطيخ متهمة في  الشوارع ، صار القشر يهرب ملفوفاً بعناية إلى مجمعات النفايات .
قتلوا (حمزة الراشد) .. هشموه .. اندحرت أنفاسه تحت هراوات الملثمين ، عضته القعدة ونظرات صغاره المنكسرة .. استغنى عنه معمله .. لم يعد قادراً على تحمل غيابه المتصل .
كان يعمل في ورشة حدادة في المجدل .. يعرف الصغيرة والكبيرة في المحل .. فني لحام . مستورة .. نعمة وفضل .. فاجأته مواسم الإضرابات .. تكاثرت أيام الطوق . امتدت .. ارتبك برنامجه .. لم يعد قادراً على مغادرة الباب .. فقد انضباطه المعهود ، زادت أيام غيابه ، جفت ساعات العمل ، حذره صاحب الورشة :
ـ هناك طلبيات كثيرة تنتظر التشطيب والتسليم ، التأخير يعني خراب الورشة ، تدميرها .
ـ الأمر ليس بيدي .. البلد إضرابات من ناحية ، ومنع تجول وضرب وتكسير من ناحية ثانية .. من المستحيل الخروج .. صعب أن تكسر الإضراب أو الطوق ، صعب أن تترك الأولاد وحدهم في الدار .
 يرتفع صوت (إيتان) :
ـ لا صعب ولا سهل .. ما يهمني هو أن يسير الشغل وبأي طريقة .. مازلت محافظاً على معرفة خمس عشرة سنة من العمل .. لكن لكل شيء حدوداً .
تكاثر غيابه .. حدث ما كان يخشاه .. وصله باقي حسابه مع أحد العمال ، أبلغه أن (إيتان) قد استغنى عنه ، أحضر عاملاً غيره من منطقة أخرى ، المهم أن يسير العمل .
تتابعت أزمنة الحصار .. أسلاك صماء مدببة .. بدأ المخزون في النفاد ، بدأ الرصيد يذوي .. خذ من التل يختل .. تقوس التل .. انكمش .. تهاوى .. عليه أن يكيف طلبات البيت مع الوضع الجديد .. أن يتدبر الأمر .
المصروف فقط في الحاجات الأساسية .. الأفواه مفتوحة ، واليد خاوية والطلبات لا تنتهي .. لم يعد ما وفره من قروش الورشة ينفع في موامجهة الأيام المعجاف .
نصحه البعض أن يصنع كارة وهو خير من يستطيع ذلك ، يصطاد لقمة العيش بما يبيعه من خضر أو فواكه في الأوقات المسموحة . تفنن في صنع العربة .. حبس وفضاوة وقلة  شغل .
اتفق مع أحد الموزعين .. اختار موقعه في مدخل الشجاعية والخيرة فيما اختاره الله .
ظلت الهراوات والجنازير تحز رأسه حتى سقط فوق قطوف الموز المدلوقة .
ـ درس لن ينساه ..
 تمتم أحدهم .
 
انتشرت علب البوية الملثمة تجلد الحيطان .
ـ تنظيم ................  يعلن عن مسئوليته في قمع المدعو (حمزة الراشد) بتهمة المتاجرة في البضائع الإسرائيلة  الممنوعة .
لم يسأل أحد عن الرأس الكبيرة .. التاجر المورد .. الكل يعلم أنه مسنود ، يرضي الجميع .. يشتري الجميع .. سره باتع .. يدفع في كل الاتجاهات ، يلقم أفواه الفصائل كلها .. يتاجر في كل شيء .. يمرر كل شيء .. أملاك غائبين ، أملاك حاضرين .. أملاك وقف .. مشاريع إسكان .. شقق .. أبراج .. يقذف بالفتات ، لينقذف لعاب التبرير .. رجل الخير .. رأسمالية وطنية .. نصير الاقتصاد الوطني .. ملجأ المحتاجين .. ملاذ المستضعفين .
سقط حمزة الراشد ..تمزق التل .. تفتت شهقات فوق الرصيف ، تمرغت نظراته الأخيرة ببقع الرمل المتناثرة من بين شقوق البلاط الباهت ، سرب حمام تيبس قرب نوافير دمه .
 انتشر الخبر .. مات حمزة الراشد .. قتله الملثمون بتهمة بيع الموز ، لقمة عيشه .
غضب ينمو في الصدور ، والحزن طائر أسود ينوح في العيون .. لم تعد الحجة مبررة .. لم يعد الأمر مقنعاً ..
تغيرات البيانات وألوان البوية :
ـ تنظيم ........ مسئوليته عن إعدام العميل حمزة الراشد الذي تسبب في قتل الشهيد ...... وتسليم بعض مجموعاتنا وإسقاط بعض الشرفاء .
 
* * *
 
 الدوائر تزداد تلاصقاً .. تضيق المساحات .. عربات القطار تتلوى وئيدة ، الدخان حلقات متشابكة .
كلهم كانوا هناك ، خارج الأسيجة والمتاريس الحجرية وفوهات البنادق ، العجائز .. الرضع .. النمل .. الجراد .. السحالي .. الديدان .. العناكب ، الجرذان .. القوادون .. البصاصون ، المعلنون في الصفحات الأولى للجرائد ، باعة الترمس والخروب .. أمهات الشهداء .. مطاردون رفضوا التوقيع على التعهد المطلوب ، وآخرون باسوا تعهد الحكم العسكري وسط الزغاريد المعلبة .
شباب سيصير بعضهم مدراء .. رؤساء أقسام .. أو وكلاء لسلعة إسرائيلية .. وآخرون لن يجدوا سوى شجر أجرد .. وربما يسعف أحدهم حسن الطالع فيعمل سائقاً يوصل ابنة أحد المحظوظين .
كلهم كانوا هناك .. العرافـون .. عشـاق يحفظون الأحلام
المقهورة .. يختزنون غزل المعلقات والتماع الضوء المقتحم المنسحب في قصائد مكسورة الوزن ، سينتسب بعضهم لقصص لا تنشر .. يلوذون بالتاريخ غير المكتوب ، التاريخ المسكوت عنه وسينتسب آخرون لطائفة كتبة التقارير التي تمجد العفن و الرائحة العطنة .  
غابة من التفاصيل غير المستقرة .. سماء داكنة .. غبار .. الكل ينتظر زوال العلم الكريه .
  قلة لازمت بيوتها .
( على حمزة الراشد) لم يكن هناك .. هجر الصبي مدرسته .. افترش رصيفاً تناثر الرمل من تجويف بلاطه الباهت ، أمامه قفص احتلت مساحاته ربطات من الجرجير والبقدونس  والنعناع ، نبراته دموع لا تنحدر .. ليل توارت أقماره ، عيناه منزرعتان ببقايا حروف تتلوى ديداناً تنهش جلد حائط مقابل تعلن عن مسؤولية إعدام العميل حمزة …….. الذي …….. فيما كانت أصابعه تفتش عن سرب حمام يرسل نوافير من الياسمين والأصداف اللامعة ، ثم يختفي كالشهاب في البحر الرمادي الواسع الغويط .
 
* * *


 
 
 
 المُــــنطار
 
 
 
  
 قفزة واحدة .. تخطي الطريق الترابية الضيقة .. ساحة مكشوفة ..مزلقان سكة الحديد .. فلنكات مهشمة .. المفترق .. لهاث .
أي المسلكين تختار ؟ أيهما أكثر أمناً ؟ حارة الدرج أم التفاح ؟ (1) يثب ، جسم أملس يترجرج تحت قدمه .. أضواء كابية .. ولد ممدد .. يقترب .. عينان غويطتان .. بقعتان من جمر منطفئ .. فم مفتوح .. فضاء أسود ثقيل .. سماء مرعوبة .. يبدو أنه لم يكمل صرخته .. انحشرت في حلقه استغاثة ..
ينحني ، ملامح نحيلة .. أرنب بري تسربت من تحت رجليه السوافي .
 هل يفرق موت عن آخر ؟ هل يختلف الموت هنا عن الموت الذي عاشه هناك ؟ الموت الذي له ألف ناب .. ألف حافة مشرشرة .
 دم ما زال ينز من خاصرة الصبي .. طلقة .. بل طلقات .. أصابعه مكلبشة على بقايا عيدان .. أوراق خضراء .. خبيزة .. ربما قطعها من البيارة القريبة .. الجوع والموت خطان متلازمان .. متداخلان .. تتعرج السبل أحياناً ، تمتد ..  تتشابك ، وتبقى الصرخة المصلوبة في العينين .. نومة لا تختار ساعتها .. لا تنتقي هيئتها .. تتمنى لو تبث فيه من أنفاسك .. أنفاسك غابة تشر حرقة وغلاً .. يذكرك بهاني .
لماذا خرجت في الوقت ؟ كيف أفلت من أمك ؟ كيف لم تلمحك وأنت تتسحب على أطراف أصابعك ؟ لأية حجة التجأت ؟ بأي مبرر استعنت ؟ لعلك صدقت بيانات الإذاعات .. قعقعة المارشات .. لم تحط كلامهم في الخُرج .. خرجت تلملم الأولاد ، تحمل البشائر ، تستعيد هدير الطبول :
ـ أخوك في سيناء يسقط طائرات العدو بمدافعه كالذباب .
هل لمحت ذلك الذباب ؟ هل دهمت أذنيك غاشية طنينه ؟ هل رأيت قرونه وهي تتلظى .. تتلمظ نيـراناً مصـبوبة تشفط
الهواء والحجارة والحديد .. تغور ببقاياك إلى قعر الدنيا .. إلى الأرض السابعة .. أفران من لهب وماء مغلي .. طلقات .. هدير جنازير .. أظلاف تبخ قاراً .
يتحسس جيبه .. حاجيات هاني .. مظروفه .. أنفاسه .. لحمه المتبقي ، دمه الراعف .. حملك الأمانة ومضى .. عهد نطقت به العيون .. لحظة توقف فيها الزمن .. تساوي الصمت بالبوح .. تساوي الميلاد بالموت .. ألقى في كفك حبات جمر تشوي لحمك .. لعلها مكاتيب موجهة إلى خطيبته ، خطها دون نية إرسالها .
اختار السطور ليبثها مناجاته ، يقطع بها كآبة الوقت .. رتابة الحفرة .. ظمأ .. عرق .. تخبط الهواء بذراعيك . تترتح في اللاشيء .. لزوجة .. ليل انسحبت منه النجوم .. تناثرت إلى أسياخ محماة تصهرك .. تعجن أشلاءك بأشلائه التي غطت قبة المنطار .
كيف هان عليك أن تتركه يتشرب الحصى والدخان والوحل دمه قطرة قطرة بعيداً عن ضمادات راحتيك ؟
ـ باعونا يا مصطفى .. باعونا دون مفاصلة .. تركونا في العراء نقلع شوكنا بيد مبتورة .. لكن ثمننا لن يكون بخساً بالتأكيد .
ترى هل خرجت منه أهة ؟ صرخة ؟ أية صورة أخيرة لازمت وثبته ؟ أمه .. أبيه .. خطيبته .. هدير البيانات .. التحصينات الهشة .. جنزير الدبابة التي شطرها بصدره .
 بصمات الهاون .. شروخ .. حفر .. خيط نجمة يسكن الواجهة الحجرية ، قباب " السيد هاشم" (2) تلوح شاحبة .. دوائر تتجمع .. تتباعد .. تتشابك ، تحاول أن تظل جزءا ً من القبة السماوية .. ركام .. نسف .. عربات مقلوبة ، أعمدة ملقاة ، إلى أين تذهب ؟ ما هي محطتك القادمة ؟ يتفحص الطريق الصاعدة ، لا يظن أنهم يغامرون بالنزول .. يتحسس موضع القنبلة .
ـ تنفعك للطريق .
 قالها هاني واثباً .
  كيف يمكنك أن تنقل الخبر ؟ تسلم الأمانة .. تسن سكيناً تحز بها قلب أمك الثانية ، تغتال بصيص أمل ما زال يشع في العيون .. اختناق .. إحساس بالضعف .. لم تعرف هذا الإحساس حتى وأنت هناك عارٍ إلا من ساعديك وجعبة سهام فارغة .
 لا تتصور حياتك من غير "هاني"  حبوتما معاً .. لهوتما معًا ، تعاركتما معًا ، كنت تحس بدمعه يسيل من مآقيك ، دمعك يسيل من مآقيه ، ضحكته تتردد في أنحائك .. دمه يفر في شراينيك ، يوم أعلن خطبته كانوا يباركـون لك .. ستخطب
 
قريباً .
من يأخذ دقائق عمرك الباقية ليمسح بها دمعات ستنهمر من عيني "فايزة " أخت "هاني " يكشط السواد الذي سيتوطن في قلبها .
لو كان في مقدروك أن تلقي الخبر من أسفل الدرج .. من أول الحارة "هاني استشهد"  "المنطار استشهد" (3) .. أربعة أيام .. أربعة قرون .. طمرته الدانات ، انفجارات متلاحقة ، حبال حمراء متصلة .
"بوابة السيد هاشم " رحلة الشتاء والصيف .. مُطعم الحجيج .. رفيق البراري والصحاري .. رحيل .. رحال مثقلة بأحمالها .. رغاء جمال صائمة هدارة .. والمنطار هو الشاهد .. مظروفه الأخير .. صيفيته الأخيرة .
 يا بن " عبد مناف " يا من ترنو إلى غزة من فوق ربوتك .. تأسو جرحها ، تمسح الدخان عن أحداقها .. لم تعد الأيام مقسمة إلى رحلتين .. محطتين .. موسمين .. تاهت الإبل .. تبعثرت القبائل .. استحالت المضارب إلى شظايا وعيدان قش .. خوذات مطبقة .. طار المدفع المضاد للدبابات بمواويل حدائية ، ظل يجري .. ظل يجري في السماء بقعة نور ترافق نعش صاحب الغوث .. سيدي " علي المنطار" ، صمتت التراويد والتحانين ، خمد الرغاء ، والنعش ما زال يطوي صفحة السماء
 
.. أفلت من بين الأيادي .. من فوق الأكتاف .. تخير تربته .. مكان نومته .. أعلى بقعة .. المنطار .. شجرة سدر انبثقت قرب رأسه وسادة ، فيئاً وزادا .. يلتفت الناس حوله ، يلتمون ذات خميس .. طبولاً .. أعلاماً .. خيولاً يرهبون بها عدو الله .
الطائرات تفتك بضريحك يا شيخ علي .. تمسح قبتك .. تقذف أعلاها في باطنها ، عز الغطاء يا صاحب الكرامات فهل تطير ثانية غمامة ظل وسكينة ؟
دمع يترغرغ في قلبك ، مهمة شاقة ، مهمة مستحيلة ، ستغادرك الحروف حالماً يطالعك وجه الأم .. ستحاول أن تخفي المظروف .. تتأكد من إغلاق جيبك .. إحكام الأزرار .. قلق يحتل ملامحها .. تخشى أن تشم رائحة "هاني" .. أشياءه ..
كيف ستبرر لهم ذلك المجيء ؟ ماذا يمكن أن تقول ؟ ستتوه كلماتك ، تتفتت في حلقك .. تحاول أن تحافظ على هدوء نبرتك .. سيسألون عن الغالي ، السبع .. حبة العين "هاني" عريس جديد .. ماذا حدث معه ؟ ما الذي جرى ؟ أين ذهب ؟ ماذا  فعلتم ؟ لم يغمض لنا جفن .. اكتوينا بكم .. عيوننا معلقة تنتظبر خبراً ، يستحلفونك أن تصدقهم النبأ .. سيركبك الصمم .. باعونا يا مصطفى ، المفاصلة والثمن .. يخرج صوتك خافتاً مرعوشاً :
ـ أخبرني أحد الشباب أنه ركب مع مجمـوعة أحد اللـشات
 
المتجهة إلى مصر .
الشك أكوام في عيونهم ، الطائرات لا تترك قشة في حالها .. تبحث عن مهرب آخر .. حجة قد تبدو مقنعة .. تخشى أن يلاحظوا رعشة أطرافك .
ـ سمعت أنه قد اتجه شرقاً مع بعض الشباب .. الظاهرية .
 يهز الأب رأسه .. تزداد ملامح وجهة كرمشة .. تتشاغل في ملاحقة اللا شيء ، تعلم أنه لا يصدقك .. إبر حادة .. أشواك تندق في مساماتك ..
ـ كلنا في الهم سواء .. غزة أو الخليل .. لا فرق .. الأخبار ترد أن اليهود قد وصلوا هناك .. هل تفر منهم إليهم ؟
سحابات غم تكسو وجهك .. تقرضك الأسئلة .. تلجأ إلى ملاذ آخر.
 توزع الشباب ، اختلفت الدروب .. ما زال "هاني" يضرب في أرض الله ، يفتش عن دشمة تستعصي على الجنازير ، خوذة لا تخترقها قرون الطائرات ، ينتقل من موقع لأخر .. من فزعة إلى فزعة .. سقط المنطار .. إلى وادي غزة ، خانيونس .. شارع جلال .. مصيدة الدبابات .. ثمننا لن يكون بخساً .. سامحك الله يا هاني .. أمانة ثقيلة .. جبال تنوء الأرض بحملمها .. يعلم أنك لن تتخلى عنه .. لن تفر .

 
 تسند ظهرك إلى حائـط كل بوصة فيه قطـعة منك .. البـاب
الخشبي ، الساحة السماوية .. السقف المعقود .. سكون.. قيساريات مطفأة .. أين ذهبت جلبة الشارع ؟ أين توارى ضجيج الزعيق والمناداة ؟ أي وباء ذلك الذي جفف عروق الحياة من المكان ؟
يدك لا تقوى على خبط الباب .. شيء ما يدفع أصابعك   بعيداً ، تخشى أن يلمح وقفتك أحد .
 رغاء مارش عسكري ينبعث مغبراً من مذياع قريب ،  ما تزال الطائرات تتهاوى من غرف الإذاعات .. والأرنب البري  ما زال هناك .. يبحث عن شجرة سدر تفوح ظلاً وثماراً ودشماً .. مضارب تنصب قرب رأس صاحب الغوث .. أصابع تقتلع الأشواك والإبر شوكة شوكة .. إبرة إبرة .
"هاني" لن يكون ثمننا بخسًا ، تحتض المظروف و القنبلة ، أصابع هاني ، خيوط دمه .. الأمانة ستصل .. الخبر سيصل .. اليوم .. غداً ، بعد شهر .. سنة .. لن تفرط بالأمانة .. لن تترك أشلاءه منثورة بين الحصى .. ستكون خوذته ، تلته إذا عزت الخوذات وتهاوت التلال .
يغربل الشارع المعتم بعينيه .. قبل أن يطأ صفحته بخطواته كان سؤال يبرق في  ذهنه :
 
 
 
ـ إلى أين ؟ والسبيل ؟
 
 
 
* * *
من أحياء مدينة غزة .
2 ـ هاشم بن عبد مناف جد النبي .
3 ـ المنطار : أعلى تلة في غزة ، وسمي مفتاح غزة الشرقي في عهد الحملة الفرنسية .


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
سماء حزيران
 
 
 
 
الأعين معصوبة والرؤوس تتطوح بين الأكتاف ،  لهيب يشوي الوجوه ، هواء حارق يتمدد في الحلق ، تحاول   التماسك ، تنزوي وتنكمش ، تقع في أرضية الباص أكثر من مرة ، ترتمي فوقك أجساد كثيرة ، اختناق ، تحس أنها النهاية ، لن ترى ليلى والأولاد ثانية ، الباص يدب فوق أرض معبدة حيناً ، مليئة بالحفر أحياناً ، لا يمكنك أن تميز الاتجاهات .
ـ أين يذهبون بنا ؟ يهمس بها في وجهك أحدهم .
ـ شيكت (1) .
صوت هرواة تطرقع فوق عظام .. تميز فحيح الهرواة وهي تمر قربك ، تدفن رأسك في صدرك ، لا تدري متى وأين ستحل الضربة القادمة .
ـ هي النهاية إذن .. قالها زميلك " نبيل " وهم يوزعونكم على الباصات التي تحتل ساحة الكتيبة .
.. هل مضت ساعة ، عشر .. لا تستطيع أن تخمن .. يصعب التقدير ، صوت مكبرات الصوت تملأ الأجواء ، صليات رصاص تتتابع .
ـ على كل من تجاوز السادسة عشر من الرجال أن يتوجه إلى ساحة الفالوجا ، كل من نجده في بيته سيكون مصيره الموت .
.. يتدافع الفتيان والشباب والكهول والعجائز .. تحشر نفسك في أحد المطارح ، رصاص فوق الرؤوس ، تحني كتفيك ، تلصق صدرك بفخذيك .
يرتفع صوت رجل ملثم :
ـ على من كان يعمل في الشرطة أن يتجه نحو الجيبات .
ـ على جميمع عساكر الجيش التوجه صوب الباصات ..
ـ كل من كان من الفدائيين أن يتوجه إلى طرف الساحة الجنوبي .
الأسئلة تخز العيون .. إلى أين ؟ ما المصير ؟ ينهض بعض الشباب ، يتشجع آخرون .. الكل صوب الجيبات أو الباصات .
خمسة أيام مضت على اندلاع حرب حزيران ، من كان يظن أن البيانات ستأتي كاوية حارقة من الطرف الآخر ؟!
ـ إلى أهالي قطاع غزة والضفة الغربية ، إن جيش الدفاع الإسرائيلي يتقدم بقواته ، أيها السكان ، أغلقوا الأبواب   والنوافذ ، ارفعوا الأعلام فوق الأبواب .
 يخفف الباص من سرعته .. يتوقف صوت الموتور .. اهتزازات ، أصوات متداخلة .. عصي .. هراوات .. بساطير .
ـ انزل ..
ثلاثة أيام كاملة .. ساحة مكشوفة محاطة بالأسيجة والحراس .. صحراء مفتوحة .. سماء تبخ أشعة حارقة .. الشمس مطارق تنصب فوق الرؤوس .. ظمأ قاتل يكاد يقتلعك .. غبار يدمي العينين .
ثلاثة أيام لم تذق فيها طعم الماء .. يتيبس لسانك .. يتساقط الشباب من حولك .. رائحة الموت تملأ الساحة الممتدة .. ارتعاشات .. صراخ .. لم تعد قادراً على تحريك أطرافك .. قطرة الماء سماء بعيدة تشتهي أن تلامسها .. زمجرة .. أنين طافح .. تسلم نفسك لشمس متقدة .
تتمنى لو كنت ببارودتك هناك في تلة المنطار .. الموت تحت جنازير الدبابات أرحم من هذه الميتة .. غيوم تغور في عينك ، لم تعد قادراً على استحضار صورة ( ليلى ) والأولاد ،
 
تتبخر الصور من ذاكرتك .
أناس كأسراب النمل يتسللون إلى أطرافك .. وجوه تتقافز من خلال ممر مجاور محاط بالأسلاك .. يشيرون نحوك .. يتراقصون .. يهللون لدولة إسرائيل .. يزداد إحساسك بالجفاف .. تزفر الهواء بقوة .. رقبتك تنتفخ بأوردة لا تدري من أين جاءتك .
ـ شلومو / سلامة .
ثمة من يناديك ، لعلك دخلت مرحلة الهذيان والهلوسة ، لم تعد قادراً على تبين الأشياء ، تميزها .
ـ شلومو / سلامة .
نبرات ليست غريبة على مسامعك ، يهودي بملابس مدنية يشير نحوك من الممر المجاور ، الشيب يملأ رأسه ، يتكئ على عصا ، عرج خفيف ، إعياء يأكلك ، نبراته تزداد وضوحاً :
ـ ألست الشاويش سلامة ؟
تهز رأسك في تثاقل .
رنة أمر تلوح في لهجة الرجل الأشيب وهو يحادث الجنود ، تتداخل الأصوات ، يلتفت نحوك :
ـ سلامة .. ألا تعرفني ؟ أنا (إيلي) .. السرايا .. الزنزانة رقم [ 12 ] ، السجائر والقهوة .
يمد أصابعه من خلال الشبك ، تهتز ، ترتعش .. ماذا سيقول هؤلاء الناس ؟ بم يفكرون الآن ؟ عم يتساءلون ؟ كيف عرفت ذلك اليهودي ؟ أين ؟ متى ؟ ولماذا ؟
من اين أتيت يا (إيلي) ؟ من أنت ؟ لماذا جئت ؟ كيف اخترتني من بين المئات ؟ لماذا ناديتني ؟ هل سيصدق هؤلاء الناس روايتي ؟ كيف سأصدقها أنا بعد اليوم ؟ كيف يمكنني أن أعيد تفاصيلها ؟ أين الصواب فيها إن كان هناك صواب ، الشاويش سلامة حارس الزنزانة رقم 12 ، قبل عام حيث يحتجز يهودي تجاوز خط الهدنة .. ألقت القبض عليه مجموعة من موقع متقدم ، لم يعترف بشيء ، لم تتغير شهادته ، لم تتبدل أقواله .
  ـ مُزارع في منطقة (عزاتا ) الملاصقة للحدود .. الأرض متداخلة .. لم أشعر أنني قد تجاوزت خط الهدنة .. لا توجد علامات فاصلة .. لم ينبهني أحد .. تهت عن المكان .. لم أقصد ذلك .
بقي في السجن عدة شهور .. يهودي في سجن غزة وأنت المكلف بحراسته .. يهودي يعني اغتصاب أرضك ، تشريدك ، انتزاع روحك .
عندما كنت تشق عليه كوة الباب كانت تبرق في أعماقك مشاعر لا يمكن لجمها ..نفور .. امتعاض .. كراهية .. هذا الرجل مسؤول عن التهجير والتقتيل ومصادرة البلد .. مسؤول عن عذاب طافح اسمه مخيم اللاجئين .
كنت رغم ذلك تحاول إخفاء مشاعرك .. تزيحها جانباً .. فالرجل الذي يقبع في الزنزانة أسير في أول الأمر وآخره ، إنسان لا حول له الآن ولا قوة ، بدأت تقدم له بعض السجائر .. لا تستحثه على إنهاء فترة حمامه بسرعة .. تعطيه مدة أطول .. تمنحه نتفاً من قطع العجوة التي تحبها وتشتريها خصيصاً من سوق فراس .. تسأل عن صحته .. عن هذا العرج الخفيف .. أبلغك أنه نجم عن سقوطه من فوق الجرار الزراعي .. وقوع كعبه تحت عجلاته .
لم تعد تأمره بأن ينخرس حينما يرفع صوته بالمواويل العراقية التي يحفظها .. تمازحه أحياناً تناديه بإيلي التائه .
ذات صباح لم تجده ، قيل لك أنه قد تمت مبادلته بواسطة قوات الطوارئ الدولية مع نفر ممن تخطوا الجانب الآخر من خط الهدنة .
ما تزال أصابع (إيلي) ممدودة من خلال فتحات الشبك .. هل يمكنك أن تضع أصابعك في أصابعه ؟ تبادله التحية وتسأل عن صحته .. عن أولاده ، تمنحه قطع العجوة .
لم يعد  (إيلي ) ذلك الأسير المغلوب على أمره ، ذلك الأسير الذي كنت تهتز و انت تستمع مواويله الدامعة التي كانت تمس أوتار قلبك .
صوت (إيلي) يدب المكان .. رطن متصل .. ساعة وتغير الحال .. وصلت سيارة محملة بالبطاطين وصهاريج الماء .
كل العيون تتجه نحو الشاويش سلامة .. تنبش سره المخبوء ، يتقاطر الشباب نحو صنبور الماء .. يستحلبون رحيق الحياة .
تستند إلى الأسلاك .. أسئلة تشوي نافوخك .
ترى هل أصبت في معاملة إيلي ؟ ما حقيقة ذلك الرجل ؟ من هو ؟ هل خدعك كما خدع الآخرين ؟ من التائه أنت أم هو ؟ هل كانت مواويله التي دخلت قلبك مزيفة ؟ كيف تمكنت من إخفاء حقيقة مشاعرك نحوه ؟ كيف أقنعت نفسك أنه مغلوب على أمره لا حول له ولا قوة ؟
هل دار هذا اللقاء المقلوب في مخيلتك يوماً ؟ ترى لو التقيت به في تلة المنطار هل ستكون صهاريج الماء و المواويل هي السبيل الممتد بينكما ؟
تزفر الهواء بقوة ، تنتفخ رقبتك بأوردة تتوالد سكاكين مسنونة .. تحرقك نظرت العيون المشحونة بألاف الأسئلة .. تقرضك علامات استفهام تثب من بين الضلوع .
كان (إيلي) ما يزال يتتوكأ على عصاه .. أصابعه تدغدغ فتحات الشبك ، تتكوم في جلستك كجدار مهدوم .. يلهب رأسك شواظ لا ينتهي .
 
 
تتذكر ليلى ، الأولاد ، سجن غزة ، وعذاب المخيم فيطمرك إحساس طاغ بقسوة سماء حزيران .
 
* * *
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

1 ـ عبرية وتعني اسكت .


 
 
 
 
طيارة عــــزت *
 

 
 
 يحتضـن مساحات الطيارة براحتيه .. يتحسس أجزاءها ..يتأمل عيدان البوص .. خيوط الميزان .. ورق الشفاف الملون .. ذيل الطيارة .. ألوان متداخلة ، ألوان متشابكة اختارها بعد طول إلحاح .. بكاء .. معاندة ، توسل حتى استطاع أن يحصل على الورق ، العيدان ، يجمع الخيط فوق الخيط .. تمتد أصابعه تستخرج لفة الخيطان من تحت الوسادة .. لفة منفوخة تكفي لدفع الطيارة إلى أعلى نقطة في السماء .. إلى النجمة البراقة .. نجمته الصافية التي تسيل شعاعاً ملوناً كألوان طيارته .
قال له عمه وهو يجهز الطيارة :
ـ الطيارة التي بها ألوان العلم لا يقدر عليها الريح ، لا يغلبها
شيء ، تظل تصعد وتصعد حتى تصل إلى النجوم .
عندما كان يلمح أحداً يصنع طيارة كان ينزرع قربه .. لا تفوته المراقبة ، تتلاحق أنفاسه .. تقشير عيدان البوص .. تجزئتها .. ضمها إلى مركز معين ، شد الخيطان حول كل طرف .. لصق الشفاف .. عمل الشراشيب .
ترى كيف يقيسون الأبعاد المختلفة لميزان الطيارة ؟
كيف يحسبون المسافة بين عيدان البوص ؟
 شمس متوهجة ، زقزق في قلبه الفرح ، يثب نحو الساحة ، صوت أمه يلاحقه :
ـ خذ بالك يا عزت من نفسك ، لا تبتعد عن الساحة .
سيكون اليوم يوم طيارتك ، ستعلو كل الطيارات ، تسابق السحاب .. تقفز عن كل الحواجز .. تتخطاها .. سيصاب (أحمد) ابن عمك بالدهشة بالخيبة .. ستشتبك مع طيارته .. تشد ذيلها بخيطك .. تقطعه .. تطوح به .. تسقط طيارته ، يتراكض الأولاد صارخين في فرح (نهيبة ) وهم يتكومون فوق بقايا الطيارة المنهارة .
زحف إلى عقله خاطر مفاجئ .
هل سيتركها (أحمد) تمر بسهولة .. سيهجم عليك بالتأكيد ..ينتزع لفة الخيطان من يديك .. تحاول أن تدافع عنها .. تفر من أمامه .. سيلاحقك .. يقطع خيطك .. من السهل عليه أن يفعل ذلك .. لن تهنأ برؤية طيارتك ثانية .. سيظل يدفعها الريح .. يدعس كل جزء فيها .. تفارقك ولن يفارقك تعب الحصول عليها .
لا داعي للاشتباك معه إذن .. الفضاء واسع .. السماء فسيحة .. لترتفع الطيارتان معاً ، تتجاوران .. تتسابقان .. تتنططان .
كم يتمنى لو تحول إلى بوصة معلقة في الطيارة ، قطعة ورق ملونة ، شرشوبة ، خيط يمتد ، يصعد ، يسوق السحب أمامه ، تصغر من تحته البيوت ، تذوب .. تتلاشى ، يخرج لسانه للريح .. ينقذف إلى حيث ترقد تلك النجمة اللامعة  البراقة .
أصوات لاهثة .. أولاد يتدافعون من حوله :
ـ جيبات اليهود قادمة من آخر الشارع .
يبتعد عن حافة الإسفلت .. تتمترس أصابعه فوق الخيط .. يقبض عليه بكلتا يديه .. يتمنى لو تتحول طيارته إلى مقلاع .. حجر كبير .. صخرة مدببة تخترق سقف الجيب ، تسد عليه المنافذ .
قلق يدهمه ، ترى هل سينتهبون إلى ألوان الطيارة ؟ هل يفعلونها ؟ ينتزعونها منه ، يحملونها معهم عد اللطم والغرامة كما قالت له أمه .
ينتشر الجد في ملامحه .. لن يعطيهم فرصة الاستيلاء على طيارته .. لن يسمح لهم بذلك ،  يدفع الخيط إلى آخر مداه ، آخر نقطة فيه ، ترتفع الطيارة ، تبتعد ، تصبح بحجم الكف .
صوت دوي طلقات .. يتطوح .. ألم حاد في ظهره .. يتحسس مكان الخبطة .. دم يكسو راحته .. دم يصبغ الخيطان .. وجع .. سخونة تحرقه ، تنغرز أصابعه على الخيط .. تتوه نظراته .. ورق شفاف يتقطع .. أعواد بوص تتقصف .. نجمة تتطاير .. تتناثر .. تتفتت .. تتهاوى .. ينقلب على جنبه .. شهقات متلاحقة .. شعاع يندفع من عينيه الغائمتين ليحتضن نجمة براقة بعيدة .
 
 
 
* * *
 
 
 

* إلى روح الطفل الشهيد عزت مطر .


 
 
 
 
تحـــويلة
 
 
 

لـم يكن الصف الأول في تنظيمه .. لكنه كان المتواجد في الساحة وقتها بعد اعتقال كوادر التنظيم في بدايات الانتفاضة ، واضطرار البعض المتبقي للعمل تحت الأرض ، كان  محباً للظهور ، ميالاً للحركة .. للعلانية ، أضحى المرجع في حسابات الآخرين ، الواجهة المكشوفة التي يقصدونها في بعض قضايا الساعة ، تجاوزات ما .. إشكالات تقع هنا أو هناك ، حالات تنسيق ، كان يترك خلفه دوائر من الحيرة والدهشة ، يؤكد البعض أنه وراء كثير من المسائل الخلافية .
الدهشة تنعجن بالصدمة عندما دق اسمه الآذان عبر  الإذاعة :
ـ ( قرار إسرائيلي بإبعاد مجموعة من الشباب عن الوطن ) .
.. لم يتأخر الرد ، تحولت ساحات المخيم ، زواياه إلى   غابة حواجز ، متاريس ، دخان .. حرائق .. رصاص .. قنابل غاز يشوي دخانها الحلوق ، تنتزع الأعين .. حجارة .. إصابات .. ميكروفونات تعلن منع التجول .
شاع الخبر .. تناقلته الأزقة رغم الطوق ، انتشر من زقاق إلى زقاق .. استشهاد (حسن شاهين) .. طمرك الخبر .. اكتويت بحروفه .. حجر طاحون يهوي فوق رأسك ، جارك ، عامل التنظيفات في وكالة الغوث ، لا يخيب رجاء ، إصلاح خط المياه ، تسليك مناهل المجاري ، تنزيل وحمل لوازم البناء ، الدمع أنشوطة تقتلع أنفاسك ، اختناق ، صحراء تمتد .
 قبل ساعات التقيت به في ساحة السوق ، كان متوجهاً لتسليم عربته ، عهدته قبل انتهاء موعد الدوام ، صوت يغلي حرقه :
ـ هل سمعت يا أستاذ .. أبعدوا (رشاد لافي) مع مجموعة من الشباب هدفهم تفريغ البلد .. تهجير الجميع .. لن يتركونا في حالنا .. سكوتنا سيمنهحهم فرصة تنفيذ أوامر إبعاد أخرى ..
ترى هل تعـرف يا حسن (رشاد لافي ) ؟ هل التقيـته يوماً
 
ولو مصادفة ؟ هل تعرف أسماء الشباب المبعدين ؟
تعلم الإجابة مسبقاً :
ـ هؤلاء قطعة منا ، لافرق بينهم وبين ولدي (بكر) .
يتوقف عن حديثه للحظة .. ربما يقرأ ما يجول في ذهنك .. يتحسس أفكارك ، حروفه تبدد الصمت :
ـ اليوم هم ، وغداً ستمتد السكين إلى عنقك ، عنقي ، عنق أولادنا .
كيف يمكنك أن تتخطى هذا الحصار ؟ تتجنب القبضات التي تتشمم رائحة الدم ، ما هو السبيل إلى مستشفى الشفاء ؟ تسأل عنه ، تتأكد من الخبر ، تقف إلى جوار أولاده .
طرقات تمزق صفحة الليل ، أضواء تتسلل من الأزقة ،  جلبة ، تنظر من أعلى الباب ، مجموعات من الشباب ، ألواح خشب ، مواسير حديد ، دق ، يجهزون ساحة العزاء ..
عندما سقط دفعة واحدة لا يرد ولا يصد قمت بحمله ، شجرة مشنشلة بالدم .. يبدو أن الجنود قدا اختاروه هدفاً ، تعمدوا التخلص منه ، لم يقصر في حقهم .. فاح الخبر .. تأبى أن تستوعبه .. ما زلت غير مصدق .. سكين يغوص في داخلك ، تطمرك النهنهات ، يتقاطر الشباب ، ينتصب السرادق ، أنوار تتحرك ، سيارة إسعاف ، تدافع ، صوت لاهث :
ـ أبلغني أحد ألأطباء في المستشفى أن حالته مستقرة .. وضعه
 
خطير لكنه لا يزال على قيد الحياة ..
 
* * *

تمتد الأسابيع .. تتوالى الشهور .. رصاصة استقرت في عنقه .. وأخرى في ساقه .. من طبيب إلى طبيب .. من مستشفى إلى آخر .. شلل كامل .. همد الجسد ، تيبس ، ارتخت قوائمه ، انطفأت اليدان ، خانته الرجلان ، يعلو صوت طبيب :
ـ إمكانياتنا محدودة .. الرصاصة في مكان دقيق حساس .. ليس في مقدورنا أن نفعل أكثر من ذلك .. أي حركة للرصاص تعني النهاية المؤكدة .. ربما تكون الإمكانيات في الخارج أفضل لكن التحويلة لم تعد سهلة المنال .. هناك تعقيدات من الجانب الإسرائيلي ، ما ننصح به المزيد من التمرينات .. العلاج الطبيعي .
تحولت غرفته إلى قاعة تدليك مثقلة بالمواسير الحديدية .. أشكال مختلفة .. أوضاع متعددة .. كرسي متحرك .
تقتنص من يومك بعض الوقت لتساعده .. تشد من أزره .. تشجعه على اجتياز بعض التمرينات .. يتحامل على نفسه ، يحاول أن يطاوعك ، يخذله الجسد ، عجز طبي ، تقرير يغلق ملف خدمته ، تُصرف مدخراته ، تعويض نهاية الخدمة التي لم تتجاوز السنوات السبع ، يصبح عاطلاً بشهادة ، حبيس جثة مرخية ، سنوات عجاف وجفاف آتية ، أين يذهب بالأولاد ؟ الأفواه المفتوحة ، كيف يمكنه أن يتدبر الأيام المقبلة ؟ علامات استفهام لا ينطق بها لكنها تتكوم بعيداً في نظراته .
 تحمل أوراقه ، تدور بها من إمضاء إلى إمضاء ، من كشف إلى آخر ، يمتلئ الملف يالتوصيات ، معاش جريح ، معاش لا يركن عليه في مجابهة خيوط اليوم الأسود .
حينما وصلت قاطرة ( أوسلو ) تتابعت صفوف العائدين ، مساحات فرح تنبت في الصدور ، الشوارع ، الساحات ، الميادين ، عناوين ترحيب واستقبال .
عاد (رشاد لافي ) تفكك الإبعاد .. صفوف من الناس تسلم عليه .. تهنئه بالعودة المباركة ، تنضم إلى قافلة المهنئين ، لا تدري لماذا أحسست ببرودة حالماً نزعت أصابعك من يده .. الجلسة شعارات .. انتفاخ .. الدور الهام المنوط به ، يلكزك جارك ، يخبرك بأنه قد أُبعد على ذمة تنظيم وعاد محسوباً على آخر .
تشطب من عقلك كل الكلام الذي أعددته .
هل تحدثه عن (حسن ) اليوم هم وغداً ستحز السكين باقي الأعناق ، سكوتنا سيمنحهم فرصة تنفيذ أوامر أبعاد أخرى ..هل تحدثه عن إصابته ؟ وجيعته ؟ فجيعته بالجسد الجثة .
هل تحكي له عن إمضـاءات اسم مبعـد انتشـر عجـزاً في
الشرايين المحروقة ؟ لماذا أصاب العطب لسانك ؟ تدلى في جوفك قطعة جافة متشققة .. لا يسأل عن أحد .. ما زال يتحدث عن المشاريع الاستثمارية الآتية .. السمن والشهد والعسل بلا حساب .. يتحدث عن   الإبعاد ، وكيف أنه كان نعمة عليه .. يخرج من جيبه بطاقة تؤكد أنه صاحب رتبة ومرتبة ، ذو  مقام ، تنتقل البطاقة ، تصفع حروفها الأعين ، تخرج لساناً خشناً يخمش الوجوه .
تخبر حسن بعودة لافي المقام والمرتبة ، الحول والطول ، لا بد أنه قد سأل عني ، عن الشباب ، يوم الإبعاد .. المواجهات ، حالتي الصحية ، التحويلة التي ما زالت أنتظرها ، العلاج ، مستشفيات مصر أو الأردن ، كثيرون عادوا منها في وضع أفضل .. القدرات والإمكانيات ، لن يتوانى في تقديم العون .. لن يقصر في مساعدتي ، لن تتأخر التحويلة .
ماذا تقول له ؟ هل ستحدثه عن المشاريع ؟ الاستثمار ، السمن والشهد ، نعمة الإبعاد ، الحظوة والرتبة ، هل سيتحمل الصدمة ؟
 الريح لم تعد طيابًا ، البحر نوات والغرقان يتعلق بقشة ، يترتح فيها ، يحملها وتحمله .. تغوص .. تطفو .. مهما كانت النتائج فلن تكون أسوأ من هذا الجسد الهامد المعطل .
تهز رأسك ، تعده أن تسأل عن مكان عمله ، تحـاول إقناع
نفسك أن ما سمعته لم يكن أكثر من طق حكي ، فشخرة  مجالس ، سيفعلها (لافي) يطارد من أجل التحويلة ، يقلب الأرض ، يفتح الأبواب ، لا يكل ولا يمل ، ينتزع (حسن شاهين) من كرسيه ، يحمله برفق على كتفيه ، هذا هو ظلي في زمن الصهد والهجير ، عيني إذا غفت العيون ، متراسي إذا هانت المتاريس .
ساعات ، دقائق وستكون أوراق التحويلة جاهزة .. مضمونة ، تستعد لأختام الخروج ، تعود لأم العيال تتنطط على قدميك ، تركض حافياً في الحارة ، تحمل الأولاد بين يديك واحداً واحداً .. بل ستحملهم دفعة واحدة .. على ظهرك ، على   أكتافك ، تبرد نار الظمأ الذي يشويك ، تمشي بهم ساعات .. تكبش من رفوف الدكاكين ما يطلبون ، تنتظر من يسألك   العون ، تنتظر من لا يسألك ، شجرة مشنشلة بالناس والشوارع وضحكات الأولاد .
 
* * *

من بوابة محاطة بالحراس تدفع كرسيه المتحرك ، تدخلان ، تقف به في ممر مزوي بعيد عن الحركة ، أصابعك تتشبث بحافة الكرسي ، من الذي يستمد القوة من الآخر أنا أم أنت ؟
من الذي يستحق العزاء ؟ يستحق أن يقف على رجلين ثابتتين فوق أعلى تلة ، يمنح الطياب لنوات الريح ، أينا العاجز ؟ أينا الجثة ؟ .
غبار يندفع ، سيارة مسرعة تتوقف قربكما .. ينزل السائق .. يفتح بابا  ( رشاد لافي ) يتجه نحوكما ، تهمس في أذن صاحب الكرسي ، لا بد أنه قد تعرف عليك بالتأكيد ، يحفظ بدايات القصة ، تفاصيلها ، اقترب الفرج .. اقتربت التحويلة ،      صوت ينز تراباً خشناً :
ـ هل أصابكما العمى ؟ لِم تقفان هنا ؟ ألا تبصران اللافتة ؟
 تختلس نظرة مقهورة ، لافتة تنتصب كأنها حبل مشنقة تعلن أن المكان موقف خاص لسيارة .
تكلبش على حافة الكرسي ، تتحاشى النظر في وجه الراقد فوقه ، الجذع المرخي ، الظل والعين والمتراس ، يتعالى صوت أنفاسه جرحاً غير مندمل ، طنين في الأذن ، جلطة صمت  تزحف ، نظرات مهروسة ، الشارع يبدو ثقباً صغيراً ، تجر الكرسي ، ثقل حجر طاحون ، تحس كأنك تجر سفينة تتكسر في غيوم متناطحة مشروخة .
 
* * *
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 حكاية الريح الحمراء
 
 

 
 تجهم وجه السلطان ، قطعة ليل مسكونة بالكآبة ، لا أسماء ، لا ناس ، لا طرقات ، لا سماء ، لا أقمار .
يرشق البحر اللاهي عن أوامره بكلمات تقطر سياطاً :
ـ للمرة الأخيرة أطلب منك أن تأتي زحفاً على بطنك ، فأرا شاحباً هامد العينين مقصوص اللسان .
صدى خشن ، أسياخ تشك أذان الحاشية والحراس والمخبرين ، سكون ينزل دفعة واحدة .
خبر :
كان البحر بقعة شمس يتجمع على حوافها الأولاد والصيادون والعتالون ، وذوو العاهات ينتظرون مواسم  الأسماك ، والأصداف ، والريح الحمراء .
هز السلطان قبضته في غيظ ، رائحة الزنازين والمشانق تشر من أنفاسه ، قال :
ـ لا يزال في مملكتي ، وتحت سمائي من يأبى الطاعة ، ويرفض تنفيذ أوامري التي لا تُرَد .
صمت ، ضمور ، يرتعش كبير الحراس ، حفنة رغو داهمها المطر بغتة ، نبرة آلية :
ـ كلنا طوع بنانك ، ورهن إشارتك يا مولانا .
يفرقع سوط مولانا المسنون في الهواء ، تتناقل أجهزة بثه خطبته :
ـ هذا عصيان سياسي سافر يستهدف المساس بأمن الأبرياء ، والانتقاص من هيبة الدولة ، والتشويش عليها ، إنه التخريب ، يجب معاقبة هذا الفأر العاق ، وضرب كل محرض متعاطف مع عصيانه بيد حديدية .
يغمغم قائد العسكر ، شهوة احتساء الدم القادم تطفو فوق  لسانه :
ـ لا بد أن ينال كل واحد جزاء ما اقترف من أفعال وجرائم .
اعترافات : (1)
ـ … نقر ونعترف أن صلتنا بالبحر صلة وثيقة لا يمكن التنكر لها ، أو النكوص عنها مهما تبدلت الأحوال ، أو تقلبت الأيام ، فالبحر هو اللباس لنا إن عَزّ اللباس ، وهو اللقمة إن عَزت اللقمة ، وعلى هذا نقر ونشهد قبل ….
تواقيع لصيادين مجهولين لم تتناقل الوكالات خبرهم "
 
ـ …. وعلى رؤوس الأشهاد جميعاً أن علاقتنا بالبحر كعلاقة الطفل المولود بأمه ، فمياهه تسري في مساماتنا مسرى النبع الذي لا يمكن المساومة عليه أو استبداله بأي من الخيارات ، أو المبادرات المطروحة سابقاً أو لاحقاً .
"أسماء لبعض من المشوهين ، وذوي العاهات"

يتدفقون على عكس عصور النفي وأزمنة المصادرة والتقتيل ، ضمادات ، أشرعة ، مواقيت تتشح بذاكرة لا تخطئ ، خارطة ليس كمثلها شيء تنهض من دمي ، من دمك ، من دم الشهداء ، العشاق ، النواطير جميعاً .
 "إقرار الكاتب نيابة عن الأولاد المحظورين"
 
مراسيم ، وفرمانات سامية  : (2)
ـ يتم الحوطة على البحر ، ويؤمر بتنظيفه من أسماكه كافة باستخدام مختلف العقاقير ، والأسلحة الكيماوية ، وحتى لا تُسول لأي ضال نفسه بالاقتراب من ذلك المكان بعد اليوم .
ـ منعاً لانتشار الأوبئة الناجمة عن تلوث البحر من قبل فئة ذوي العاهات المارقة تُكلف جمهرة العوام بنزح المياه ، مع التوصية بإقامة سلسلة من القصور والنقاط الاستيطانية فوق الأماكن المجففة .
ـ إتلاف كافة الأعشاب ، والأصداف ، والقواقع البحرية منعاً لعبث الأولاد ، ومضيعة وقتهم .
* * *
غطس السلطان في كرسيه الفخم محدقاً في التقارير والتوصيات المرفوعة إليه ، طيور سوداء بمناقير معقوفة تصهل في رأسه ، ثمة ارتطامات ، ينتفض ، بلل يلامس  قدميه ، رطوبة زاحفة ، صقيع ينمو ، تتطاير التوصيات ، زعيق ، ريح راكضة ، انهيارات ، تنسحق الأبواب ، استغاثات ، عويل ينبعث من غرف القصر وساحاته ، يصرخ ، لا إجابة ، لا صدى ، لا رنين للكلمات ، يبحث عن سوطه ، يتصبب عرقه ، الماء يطـمر كرسيـه ، ماء أحمـر فوار ، الماء قمم تتكاثر ،
 
تنساب من القيعان ، من الجحور ، من الشقوق ، من الملاجئ
حبالاً تلتف على عنقه ، يرتجف فأراً هامد اللسان ، ريح ورماد وغبار في حلقه ، تتقوس نظراته ، تتقوس الحيطان ، ليل مصدع ينز كآبة ورعباً .
ملحق :
يتدفقون بقعة شمس مسكونة بالصيادين والعتالين  والأولاد ، وذوي العاهات من كل زاوية ومأوى ، عبر الممكن واللاممكن يأتون ، يختزنون البحر ، يسبكون الموج ويعدون الريح الحمراء .
هوامش :
· يُرجع العديد من الدارسين هذه الأحداث إلى زمن ما قبل الطوفان الأول ، وهذا تخمين مردود لعدم ورود أي علاقات تشي بمعرفة تلك الحقبة للزنازين ، والأسلحة الكيماوية ، ونقاط الاستيطان .
1. أمكن اكتشافها وتحليل رموزها المحفورة بالأظافر ، أو بأشياء حادة يصعب تحديدها ـ قد يكون زرد السلاسل إحداها ـ فوق حائط قبو يرجح إنه كان جزءاً من سجن ضخم .
2. وردت ضمن الملفات السلطانية الخاصة بالعصاة المفسدين من العباد والتي أمكن العثور على نتفٍ منها بمشقة بعد الطوفان الأخير .
 
 
 
* * *
 
 
 
 
 
 
 

· نشرت في مجلة الفجر الأدبي ـ القدس ـ العدد 6 ـ السبت 21 / 2 /1980 .

 

 

 العطش

  الجبل لا يأتي

تراث البحر الفلسطيني

حيطان من دم

زمن الغياب

بحر رمادي غويط

المرأة في الرواية الفلسطينية

English

Izzat's Kite

Baskets of  Flesh

Eyes for Yousef

The Tale of the red wind

Francais

CORDES ET FLAMMES

Ce sont tous mes fils

Espanol

 

Todos son mis hijos

 

 

موقع الكاتب و الأديب الفلسطيني زكي العيلة 2004

لأفضل مشاهدة يُفضل وضع دقة الشاشة على 800/600.