HOMEPAGE         الصفحة الرئيسة

 

 

English

  - CV.

  - Books.

  - Photos.

  - Contact.

Francais

  - CV.

  - livres.

  - Photos.

  - Contact.

  -Libros.

 

مجموعات الكاتب القصصية

  - العطش .

  - الجبل لا يأتي .

  - حيطان من دم .

  - زمن الغياب .

 بحر رمادي غويط .

الكتب النقدية

 

  -  تراث البحر الفلسطيني .

  - المرأة في الرواية الفلسطينية.

كتب قيد النشر

  - دنكرك (ذاكرة مكان) .

  - مكاتيب للضوء .

دراســــــــــات

  - دراسات في أدب الكاتب.

  - دراسات للكاتب .

شهـــــــــادات

  - شهادات للكاتب.

  - شهادات مبدعين.

المرأة في الرواية الفلسطينية

 

المقــــدمـــــــة

  

 سجلت المرأة الفلسطينية حضوراً على الصعيدين الاجتماعي والسياسي إثر الاحتلال الإسرائيلي لما تبقى من أرض فلسطين - الضفة الغربية وقطاع غزة - في يونيو (حزيران) 1967.

وكنتيجة لارتفاع نسبة التعليم ، وافتتاح كثير من الجامعات المحلية (بيرزيت ، النجاح الوطنية ، جامعة بيت لحم ، جامعة الخليل ، جامعة القدس ، الجامعة الإسلامية)، وبروز أطر نسائية جديدة في الفترة ما بين 1978 - 1982 ، هدفت إلى تعزيز دور المرأة سياسياً وثقافياً ومهنياً ، تحسنت المكانة الاجتماعية للمرأة العربية الفلسطينية ، حيث غدت في الأغلب متعلمة ، منتجة ، تمتلك القدرة على إدارة شؤونها، وتحسين دخلها ودخل أسرتها ، خاصة في ضوء الواقع الاقتصادي المتردي الناجم عن سياسات القمع والإلحاق الاقتصادي التي اتبعها الاحتلال ، وما ترتب عليها من عمليات مصادرة الأراضي والسيطرة على مصادر المياه ومحاصرة الإنتاج الوطني ، وجعل الأسواق المحلية مغلقة للبضائع الإسرائيلية ، وهدم البيوت ، واعتقال كثير من أرباب الأسر ومعيليها .

وبعد تفجر الانتفاضة الفلسطينية في التاسع من ديسمبر 1987 انخرط كثير من النساء في فعالياتها عبر الأطر النسائية ولجان الإغاثة والتموين والإسعاف ، وامتدت المشاركة لتشمل المواجهات والمسيرات والاعتصامات ، ومساندة عائلات الشهداء والأسرى والجرحى ، إضافة إلى تنظيم التعاونيات والمشاغل القائمة على مبدأ الاقتصاد المنزلي ، وترشيد الإنفاق ، واستحداث وسائل جديدة للتخزين ، والعودة إلى الأرض ، وتشجيع المنتوجات الوطنية البديلة ، والمساهمة في تعويض الطلاب على صعيد التعليم الشعبي في مواجهة السياسة المبرمجة التي اتبعها الاحتلال والمتمثلة في إغلاق المؤسسات التعليمية في الضفة الغربية وقطاع غزة .

لذا لم يكن مستغرباً أن يرتفع عدد الشهيدات والسجينات والجريحات بين الفتيات والنساء خلال سنوات الانتفاضة ، وأن تنتشر قيم اجتماعية جديدة تتعلق بمبدأ التكافل الأسري والاجتماعي ، وتحديد المهور ، وترشيد نفقات الزواج ، وانصهار المرأة أكثر فأكثر في نسيج الحياة اليومية ، بحيث أثبتت دورها الريادي في فترة وجيزة من عمر الانتفاضة ، فلم يعد همُّها الجانب الخدماتي أو الإغاثي فقط ، بل أصبحت مشاركة في الحياة السياسية اليومية ، مما ساهم في ارتقاء وعيها لذاتها ، ولقضاياها الاجتماعية .

لقد تنبهت الرواية الفلسطينية المعاصرة للدور الذي تمثله المرأة الفلسطينية في مجتمعها ، وإن لم يتخط تناول ذلك الدور في أغلب الأوقات الصور النمطية التقليدية للمرأة .

وهنا لابد من رصد بعض الدراسات التي تعرضت لصور المرأة في الرواية الفلسطينية ، ومنها :

1-  "نماذج المرأة البطل في الرواية الفلسطينية" للباحثة (فيحاء عبد الهادي) ، والدراسة ترصد صور البطولة النسوية الفلسطينية في روايات فلسطينية تبوأت المرأة فيها مركز الصدارة ، مع إغفال ما عداها ، والروايات مجال الدراسة صدرت بين الأعوام 1973 - 1985 لثمانية من الروائيين الفلسطينيين الذي عاش أغلبهم في الشتات ، وهم : (أفنان القاسم ، إميل حبيبي ، وتوفيق فياض، جبرا إبراهيم جبرا ، رشاد أبو شاور ، سحر خليفة ، غسان كنفاني ، يحيى يخلف)(1) .

2-  "وظائف المرأة ورموزها في الرواية الفلسطينية":دراسة أعدتها الباحثة(ناديا العطار) تناولت فيها المرأة - العربية بما فيها الفلسطينية - المستلبة من خلال روايات صدرت في المنافي قبل عام 1985 لأربعة من الروائيين الفلسطينيين الذين تباينت أجيالهم ، وانتماءاتهم الفكرية والعقائدية، وهم: (جبرا إبراهيم جبرا، غسان كنفاني ، سحر خليفة ، يحيى يخلف) أما مسرح الروايات فيدور في عدة أقطار عربية هي : العراق ، فلسطين ، لبنان ، اليمن ، الخليج العربي (2).

3- "أعمال إميل حبيبي الإبداعية" للباحث (محمد بكر البوجي) حيث أشار فيها إلى بعض صور المرأة الفلسطينية عند (حبيبي) ليخلص إلى استنتاج مفاده "أن شخصية المرأة قد ظهرت في الأدب الفلسطيني بصورة ميزتها عن المرأة العربية عموماً ، حيث دخلت المرأة نطاق الفعل الثوري مستندة إلى التقدم الاجتماعي الذي حصلت عليه"(3) .

4- "الفن القصصي في أدب المرأة الفلسطينية المعاصرة" دراسة للباحثة (حفيظة محمد سعيد أحمد) اقتصرت على الأعمال القصصية التي كتبتها المرأة الفلسطينية ، خاصة في الشتات في الفترة ما بين 1967 - 1993 لتصل إلى رأي مؤداه : "أن النماذج النسائية تحتل المساحة الأكبر في القصة الفلسطينية -الوطنية الاجتماعية - وقد أصابها تطور كبير ، فبعد أن مرت بالإطار المنكسر السلبي ، حيث كانت المرأة مضطهدة ومقهورة وعاجزة عن التغيير ، صارت امرأة تطلب التغيير ، وتتمرد على واقعها ، ثم تطورت من الاستسلام والرضوخ إلى الرفض والتمرد ، لتصبح نموذجاً فاعلاً وإيجابياً"(4) .

5- "الشخصية في الرواية الفلسطينية المعاصرة" للباحث (محمد أيوب) وقد تعرض فيها لصورة المرأة بشكل سريع ، وأغفل الكثير من وظائفها ، ليخلص إلى القول بأن : "دورها ظل هامشياً في الروايات الفلسطينية موضوع الدراسة"(5) .

6- "مكونات السرد في الرواية الفلسطينية" للباحث (يوسف حطيني) تتعرض لكثير من الروايات الفلسطينية الصادرة في الشتات من خلال التركيز على بناء الشخصيات والحدث والفضاء الروائي والزمن ومستويات اللغة ، مع استعراض سريع لبعض صور المرأة في الروايات الفلسطينية المدروسة ، دون استقراء دلالات تلك الصور(6).

7- "المرأة في الرواية الفلسطينية 1965 - 1985" للباحث (حسان رشاد الشامي) حيث بنى بحثه على ثماني عشرة رواية صدرت خارج الوطن المحتل لثمانية من الروائيين الفلسطينيين ، ليظهر من خلال تتبع صور المرأة أن معظم الروائيين الذين شمل البحث بعض أعمالهم "قد صوروا المرأة مكافئة للرجل في كثير من الأحيان في وعيها وسلوكها وطموحها وقدراتها ، فكان دورها متمماً لدوره على المستويات جميعها... فهي تقف إلى جانبه تؤازره ،وتحاوره ، تتقدمه حيناً ، وتلحقه أحياناً أخرى، تربطها به في معظم الأحيان علاقة سليمة معافاة ، ولكننا في المقابل لا نعدم وجود بعض العلاقات السلبية المأزومة بين الرجل والمرأة" كما خلصت الدراسة أيضاً إلى أن

معظم الروائيين الفلسطينيين لم يهتموا كثيراً بإبراز الجانب المظهري الخارجي للشخصية ، ولا سيما إذا كانت الشخصية المعنية مثقفة ثورية وغالباً ما تأتي هذه الشخصية ناجزة منذ البداية(7) .

 

 

مبررات الدراسة

 

1-  انعدام الدراسات التي تتعرض لصور المرأة الفلسطينية في الروايات الصادرة في الضفة والقطاع منذ تفجر الانتفاضة في ديسمبر 1987 حتى عام 2000 .

2-  إغفال معظم الدراسات للدلالات الفكرية الشمولية لصور المرأة ، وعلاقتها بالواقع المعيش .

3-  الوقوف على تأثيرات الانتفاضة واتفاقيات أوسلو ، وما واكب ذلك كله من متغيرات اجتماعية وفكرية وسياسية واقتصادية على نموذج المرأة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة .

4-  محاولة الإجابة عن سؤال : هل تخطت الروايات الصادرة في هذه المرحلة 1987 - 2000 الصور التقليدية ذات القوالب المحددة للمرأة الفلسطينية السلبية ، المقهورة ، العاجزة عن التغيير ، والتي غالباً ما ترد خارج دائرة الفعل ؟

        لقد اقتضت طبيعة البحث اعتماد المنهج الاستقرائي التحليلي ، كما اقتضت تقسيمه إلى مقدمة ، وتمهيد ، وستة فصول ، وخاتمة .

 

        المقدمة توضح أسباب اختيار الموضوع ، ومنهج الدراسة المتبع ومبررات الدراسة .

       

أما التمهيد فيستقصي الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي للمرأة في المجتمع الفلسطيني منذ بدايات القرن العشرين وحتى عام 2000 من خلال المراحل التالية :

1-  منذ بدايات القرن العشرين وحتى نكبة 1948 .

2-  واقع المرأة الفلسطينية بين نكبتي 1948-1967 .

3-  واقع المرأة منذ بداية الاحتلال 1967 إلى ما قبل الانتفاضة .

4-  المرأة الفلسطينية في الانتفاضة 1987-1993 .

5-  المرأة في عهد السلطة الوطنية 1994-2000.

 

أما الفصل الأول، فقد خُصص لدراسة القضايا الخاصة بالمرأة (التعليم ، التحرر، الحب ، العمل ، النضال) ، كما رصدتها الروايات الفلسطينية الصادرة في الشتات قبل انتفاضة 1987 ، حيث سيحاول الباحث أن يستشرف مواقف الروائيين الفلسطينيين من تلك القضايا خاصة في ظل سطوة العادات والأعراف والتقاليد ، مع ملاحظة وجود بعض الشخصيات النسائية التي تبدو بتصرفاتها المنفلتة في وقت مبكر أنها ليست فلسطينية ولا عربية .

 

الفصل الثاني يسعى إلى تتبّع صور المرأة الفلسطينية كما قدَّمتها الروايات الصادرة في الضفة الغربية وقطاع غزة قبل عام 1987 عبر محاور متعددة :

-  المرأة الإيجابية (الصلبة ، الفاعلة) : وكيف تمكنت نماذج هذا النوع - في ظل فقدان معيل الأسرة- أن تتعالى على الآلام ، خاصة في ظل وسط اجتماعي يرى في قضية خروج المرأة للعمل محوراً للتقولات .

-  المرأة السلبية : وكيف قدّمت الرواية الفلسطينية شخصيات هذا المحور ، وما هو التبرير الذي اتكأت إليه .

-  المرأة المغتربة (المتمردة) : حيث ستحاول الدراسة استعراض كيفية تناول الروايات - موضوع البحث- لهذا النوع من الفتيات اللواتي يرفعن كثيراً من الشعارات الرافضة للضوابط التقليدية للسلوك ، دون أن يأخذن في حسابهن القضايا الاجتماعية والسياسية في واقعيتها وشموليتها .

-  المرأة اللعوب : حيث يرصد الباحث كيفية تعامل الروائي الفلسطيني مع النماذج النسائية المنحرفة التي تبيح جسدها بحجة الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية .

-  المرأة المناضلة : إذ يسعى الباحث من خلال الروايات المدروسة إلى استقصاء نماذج متعددة لفتيات ونسوة شاركن في المقاومة على اختلاف صورها ، مع محاولة البحث عن الأسباب التي حالت دون وجود شخصية نسائية ذات قدرات تنظيمية ، قيادية في تلك الروايات .

-  المرأة الرمز (الأرض ، الحكمة ، المثال) : سيحاول البحث أن يبين سبب احتفاء بعض الروايات المدروسة بالرموز الجزئية في معالجة بعض الموضوعات ، مع محاولة الإجابة عن سؤال عن مدى توافق تلك الرموز مع التقنيات اللازمة للعمل الفني .

 

أما الفصل الثالث فقد خُصص للروايات الفلسطينية الصادرة في الضفة والقطاع بعد عام 1987 التي رصدت تأثيرات الانتفاضة ، واتفاقيات أوسلو ، ومجيء السلطة الوطنية على أنموذج المرأة الفلسطينية بين رمز تجسده ، وواقع تسعى من خلال مكابدته إلى تحقيق ذاتها عبر محاور :

-  المرأة الإيجابية (الصلبة ، الفاعلة) : وهل رافق انخراط المرأة في أحداث الانتفاضة تغير كبير بالنسبة لواقعها الاجتماعي .

-  المرأة المستغلة ، المنحرفة : حيث سيحاول الباحث أن يستقصي سبب وجود هذا النمط في الروايات خاصة تلك التي تتعرض لمرحلة أواخر الانتفاضة وبدايات مجيء السلطة الوطنية .

-  المرأة الرمز : إذ ستحاول الدراسة أن تجيب عن سؤال : هل تجاوزت رؤية الروائي الفلسطيني للمرأة الرموز المتوارثة نتيجة الواقع الجديد الذي أفرزته الانتفاضة ؟

 

1.  الفصل الرابع يسعى من خلال استقراء الروايات الصادرة في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد عام 1987 إلى استقصاء تأثيرات الانتفاضة الشعبية ، وما أعقبها من متغيرات وقناعات جديدة على صورة المرأة بين حالتي التبعية ، والتمرد .

 

الفصل الخامس: يحاول أن يتتبع نضال بعض الشخصيات النسائية اللواتي انخرطن في المعترك السياسي والنضالي بعد تفجر الانتفاضة عام 1987 ، كما ورد في الروايات المدروسة وهل وجدنا ترجمة لذلك الانخراط من خلال تبوء بعض الفتيات لمراكز قيادية في بعض الأطر السياسية والعسكرية .

 

الفصل السادس يسعى إلى تتبع الوسائل الفنية التي وظفها الروائيون الفلسطينيون في معرض تناولهم للقضايا التي شكلت هاجس المرأة و أضاءت جوانب هامة من عوالمها الداخلية و الخارجية ، و منها : اللغة ، السرد ، الحوار ، المكان ، الزمن .

أما الخاتمة فقد صيغت فيها النتائج التي توصل إليها الباحث ...

 

*    *    *

هوامش :

 

1- بحث صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1997 .

2- رسالة دكتوراه مقدمة إلى جامعة تونس ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، 1996 .

3- رسالة دكتوراه مقدمة لجامعة الخرطوم ، كلية الآداب ، 1994 ، ص369 .

4-رسالة ماجستير مقدمة لمعهد الدراسات الإسلامية ، شعبة اللغة العربية وآدابها ، القاهرة ، 1996 ، ص246.

5- رسالة ماجستير صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين ، القدس 1997 ، ص184 .

6- منشورات اتحاد الكتاب العرب -دمشق- 1999.

7- منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 1999 .


 

 

 


 

 

 

 


 

   

   لن يتسنى لنا التعرف على قضايا المرأة ، وصورها كما وردت في الروايات الفلسطينية إلا إذا استقصينا الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمرأة في المجتمع الفلسطيني منذ بدايات القرن العشرين ، وحتى نهايته وذلك عبر المراحل التالية :

1- منذ بدايات القرن العشرين وحتى نكبة 1948 :

 

أولاً : على الصعيدين الاجتماعي والثقافي :

لم يختلف واقع المرأة الفلسطينية بداية القرن العشرين عن واقع المرأة العربية في الأقطار المجاورة حيث تراكمت جملة من العادات والأعراف التي فرضت العزلة والحصار على المرأة سواء في بيت عائلتها ، أو بيت زوجها بعيداً عن العالم الخارجي المحيط بها على اعتبار "أن المنزل هو عالم المرأة ؛ تولد ، تعيش ، تعمل وتموت       فيه ، ولا تغادره إلا للضرورة ، أما الحياة العامة فليست من شأنها"(1) .

وعندما انطلقت أصوات بعض المصلحين منادية بتحرير المرأة وتعليمها والعمل على إعطائها حقوقها ، وإفساح المجال أمامها لمشاركة الرجل في إرساء قواعد مجتمع متماسك ، وجدنا تبدلاً في المكانة الاجتماعية للمرأة في فلسطين ، وإن سار ذلك التبدل سيراً بطيئاً تشده إلى الوراء عادات وتقاليد موروثة لا يستطيع المجتمع الانعتاق منها تماماً(2) .

إلى هذا الواقع تشير الشاعرة (فدوى طوقان) في سيرتها الذاتية ، وهي تتحدث عن بيت عائلتها(3) : "في هذا البيت ، وبين جدرانه العالية التي تحجب كل العالم الخارجي عن جماعة - الحريم- المؤودة فيه انسحقت طفولتي وصباي ، وجزء غير قليل من شبابي ، أما الجو العائلي فيسيطر عليه الرجل كما في كل بيت ، وعلى المرأة أن تنسى وجود لفظة "لا" في اللغة إلا حين شهادة (لا إله إلا الله) في وضوئها وصلاتها، أما "نعم" فهي اللفظة الببغاوية التي تُلقنُها منذ الرضاع ، لتصبح فيما بعد

كلمة صمغية ملتصقة على شفتيها مدى حياتها كلها . حق التعبير عن النفس محظور عليها... الاستقلال الشخصي مفهوم غائب لا حضور له إطلاقاً في حياتها"(4) .

وهذا الرأي يصعب سحبه على مجمل حال المرأة في فلسطين ، وربما يتصل الأمر بظروف ترتبط بحياة الشاعرة في أسرتها الخاصة ، حيث كان من المألوف في تلك المرحلة التي تتحدث عنها الشاعرة خروج الفتاة ، لتشارك في الحياة الثقافية والاجتماعية ، خاصة في ضوء انتشار المدارس العربية والأجنبية والجمعيات الأدبية والصحف "بحيث وصل الأمر قبيل الحرب العالمية الأولى حد قيام طالبات مدرسة السينمار الروسية ببيت جالا بترجمة حكايات عن الروسية ، وإرسالها إلى مجلة النفائس العصرية"(5) "كما أصبحنا نطالع نساء كاتبات يشاركن في التوجيه الأدبي ، ويكتبن المقالة التوجيهية مثل الكاتبة سلمى النصر في الناصرة"(6) .

        واستجابة لروح العصر ، حيث اكتسب مفهوم تعليم الفتاة قيمة اجتماعية ، بدأ نوع من التغير في النظرة إلى الفتاة خاصة المتعلمة ، وهذا ما يمكن استشفافه من شعر (جرجس أيوب) الذي نشره في مجلة النفائس العصرية عام 1914 ، إذ نجد فيه صدى للتحولات التي أصابت الطبقات الاجتماعية :

                                                       

  ينبذ الوهم ، ويهديها السـبيلا

أتمنى لابنتي عقـلاً سليمـاً

  وخصال صالحـات لن تزولا

ذات علـم وذكـاء ونشـاط

  ساحباً في المال والجاه ذيولا

فإذا ما جاءني في يوم جهول

  لست أرضاه بنعليها بديــلا(7)

وابتغى مني أمراً مستحيـلا



 

   هذه الدعوة إلى تعليم المرأة نجد صداها في بعض قصائد تلك الحقبة ، من ذلك مثلاً قصيـدة (نجاح الأمة في رقي المرأة) التي نشرها الشاعـر (اسكنـدر الخـوري)


 

البيتجالي عام 1923 حيث ربط بين تعليم المرأة ، والرقي الاجتماعي(8) :

 

تراه من ضائقـة أو سعـة

فتش عن المرأة في كل مـا

أقـولها ، لعلهـا مُسمعـة

حقيقة هـذي ، وإن آلمـت

وبنته في حــالةٍ موجعـهْ

فالشرق لا ينهض مـن نومه

محبوسة كناسك الصومعـه

مظلومـة قـد سـاء تهذيبها

ركابها للمجد ، كي ترجعـهْ

يـا أمم الشرق التي حـركت

في شرقنا في سجنها مودعهْ

لـن تدركي المجد بغيـر التي

تشاركَ الجنسان في المعمعهْ

ولـن ننـال النصـر إلا إذا

ترجون من شرقكمُ منفعـهْ(9)

فعلمـوا المـرأة ، إن كنـتمُ

 

        وإذا مضينا إلى أواسط العشرينيات من القرن العشرين نجد السيدة (أسمى طوبى) تخوض مجال الكتابة المسرحية ، حيث بدأت مسيرتها هذه عام 1925 بمسرحية "مصرع قيصر روسيا وعائلته" ونشرتها في عكا ، فَمُثِّلت في فلسطين ثلاث مرات وفي لبنان تسع مرات .

وعندما أصبحت عضواً فاعلاً في اتحاد المرأة في مدينة عكا عام 1929 دأبت على إخراج مسرحية مرتين في العام ، تضعها بنفسها عن الجهاد المشرف وكل ما يرفع المعنويات فتحول منزلها إلى مسرح نشيط تتمرن الشابات فيه على التمثيل حتى   يصلن إلى مستوى عال ، ثم تنفق من ريع هذه المسرحيات على اتحادها ، ومن مسرحياتها : "صبـر وفرج" و "نساء وأسرار" و "شهيدة الإخلاص" و "واحدة بواحدة" و"القمار"(10) .

        في هذا الوقت ، وتحديداً في سنة 1928 بدأنا نتابع سلسلة مقالات مترجمة منشورة في مجلة الكشاف لعنبرة سلام الخالدي بعنوان (كيف أنظر إلى الحياة) ... كما نجد في الفترة نفسها سيدة تظهر للمرة الأولى ضمن فرقة شبان القدس العرب الذين عرضوا رواية مجدولين على مسرح سينما صهيون في القدس ، .. حتى إذا كان الثلث

الثاني من القرن العشرين ظهرت في فلسطين فرقة الكرمل التمثيلية العربية التي استطاعت القيام بأدوار رواية هملت المعقدة ونجحت فيها .. ومن بين أفراد الفرقة سيدات ممثلات أجدن أدوارهن كأسماء خوري وثريا أيوب(11) .

        وبنظرة إلى الإحصائيات التعليمية نجد تزايداً في نسبة التحاق الفتيات بالمدارس رغم سياسة حكومة الانتداب البريطانية التي لم تساعد على انتشار التعليم(12) .

        فقد بلغ عدد الطالبات في السنة الدراسية 1919-1920 (2243) طالبة في المدارس الرسمية فقط ، وفي السنة الدراسية 1929-1930 وصل عدد الطالبات إلى  (4782) طالبة ، وكان عدد البنات اللواتي يصلن إلى الصفوف النهائية قليلاً ، لأن معظمهن كان يترك مقاعد الدراسة للتفرغ للأعمال المنزلية أو الزواج(13) .

        أما في العام45/ 1946فقد قفز عدد الطالبات في المدارس الرسمية -المعارف- إلى (16.506) طالبات في المرحلتين الابتدائية والثانوية أي ما نسبته 36% من مجموع التلاميذ(14) .

وإلى جانب هذه المدارس كانت هناك كليتان رسميتان للفتيات :

1- كلية دار المعلمات في القدس ، تأسست عام 1919 الدراسة فيها أربع سنوات

ثانوية، وسنة لإعداد المعلمات للتدريس في المدارس الابتدائية ، وقد ضمت ثلاثاً وعشرين طالبة عام 1920 ، وزاد العدد إلى مائة وأربع طالبات في العام 45/1946، وقد بلغ عدد خريجات هذه الكلية منذ تأسيسها حتى عام 1945 أكثر من ثلاثمائة خريجة شكلن معظم معلمات مدارس البنات في المدن .

2- دار المعلمات القروية ، تأسست في رام الله عام 1935 ، وكانت تعد طالباتها للتدريس في مدارس البنات الريفية ، وكانت في الأصل تشمل سنتين دراسيتين بعد مرحلة التعليم الابتدائي ، ثم رؤى في عام 1945 أن تكون الدراسة فيها أربع سنوات ، وقد بلغ عدد طالباتها في ذلك العام أربعاً وثلاثين طالبة .

وهناك دور معلمات أخرى غير حكومية منها كلية البنات في القدس التابعة للبعثة الأنجليكانية ، وكان عدد خريجيها في العام 45/1946 تسع معلمات ، وكلية شميدت للبنات في القدس التابعة لبعثة الألمان الكاثوليك ، وتخرجت منها عام 1946 "عشر معلمات"(15) .

        وعن واقع تعليم الفتاة في الثلاثينيات ، وما أحدثه من آثار إيجابية خاصة بالنسبة للفتيات اللواتي التحقن بالدراسة العالية المتوسطة تقول الشاعرة فدوى طوقان : "كانت هناك فئة قليلة ممن أكملن دراستهن في دار المعلمات الحكومية في القدس .. وكان لفئة المعلمات في نابلس وغيرها من مدن فلسطين قيمتها الاجتماعية واحترامها في عيون سكان البلد ، فكانت المعلمة تمتاز بالثقة بالنفس ، والاعتداد بالذات ، ولقد شكلت المعلمات في نابلس فئة اجتماعية معينة ، وأصبح الانتماء إلى هذه الفئة قيمة تتطلع إليها كل فتاة طموحة ، فقد عرفت الفتاة المعلمة لأول مرة شيئاً من الاستقلال الاقتصادي ، وأصبحت تشارك أباها ، أو أخوتها في القيام بتكاليف معيشة الأسرة"(16)

        وإذا كان هذا هو واقع الحال بالنسبة لالتحاق الفتيات بمراحل التعليم الابتدائي ، والثانوي ، والعالي المتوسط ، فإن أعداداً أخرى من الفتيات - نظراً لخلو فلسطين من التعليم الجامعي- قد التحقن بالجامعات العربية خارج فلسطين ، وربما تكون أعدادهن قليلة ، لكن ذلك كان يشكل إنجازاً أتاح قسطاً أوفر من التعليم لهن في ذلك الوقت .

جدول يبين عدد الطالبات الفلسطينيات في الجامعة الأمريكية في بيروت(17) .

 

عام

العدد

عام

عدد

21/1922

3

43/1944

10

31/1932

6

44/1945

14

41/1942

7

45/1946

16

42/1943

8

46/1947

4

 

        ومن هؤلاء الفتيات بالتأكيد تبرز فتاة كفر كنة (ماري الصفوري) الطالبة التي التحقت بالجامعة الأمريكية في العام الدراسي 25/1926 ، فخلبت قلب شاعر فلسطين (إبراهيم طوقان) منذ وقعت عيناه عليها ، فأرسل فيها شعره الرائق والغزل الصادق ، وتبع خطواتها ، وسكناتها ، حتى تهيأت له تدريجياً فرص التعرف على صفاتها والاقتراب منها ، وهي تطالع في مكتبة الجامعة الأمريكية(18) .        

بجمالهـا متنقبـــة

وغريـرة فـي المكتبـة

تب مـا المعلم رتبـه

جلست لتقرأ أو لتـكــ

حتى جلست بمقربـة

فدنوت أسترق الخطــى

أنفاسـيَ الملتهبــة

وحبـست حتـى لا أرى

ق فاضح ، فتجنبــه

ونهيت قلبي عـن خفـو

الله أجزل في الهبــة

راقـبـتها فشهـدت أن

لضلوعـي المتعذبـة

يـا ليــت حظ كتابـها

وحنت عليه وما انتبـه

حضنته تقرأ مـا حـوى

ل ذكاؤها ما استوعبـه

فإذا انتهى وجـه ونــا

ل بريـقها كي تقلبـه(19)

سمحت لأنمُلِها الجمـيـ

 

 

 

 

 

     لقد أمّت الفتيات في فلسطين المدارس والكليات الرسمية وغير الرسمية "واطلعن على علوم وثقافات شتى ، وتأثرن ببعض العادات والمفاهيم الأجنبية ، وجذب الكثير منهن بريق بعض الحضارات التي عكستها مدارس الطوائف والمذاهب الدينية غير الإسلامية ، ومدارس الجاليات الأجنبية ، وقد اتضح أثر ذلك الاحتكاك الثقافي والحضاري في مختلف وجوه الحياة ، وقد تجلى ذلك بوضوح في المدن الفلسطينية الكبرى بشكل خاص ، حتى لقد وجدنا من يتذمر من إفراط المرأة الفلسطينية في التشبيه بالأجنبيات ، حيث هاله سلوك الفتيات ومظهرهن الذي لم تألفه البيئة الفلسطينية من   قبل ، من ذلك - مثلاً- اسكندر الخوري البيتجالي الذي يقول"(20) :

 

فـي الدوائر

راعنا في الشرق توظيف البنات

في الحواضر

وركـوب السيـدات العجـلات

كالقســاور

وامتطاهـن الجيـاد الصافنات

والمخاطــر

بـلبـاس لا يقيـنا العثـرات

والأوامــر

و"بنـاطيـل" على رغم النهاة

كالعساكــر

لبستها هـذه المستـرجـلات

 

وعندما غزت فلسطين موجات اليهود حملت معها الفتيات اليهوديات وبائعات الهوى اللواتي كن يمشين في المدن الفلسطينية سافرات بملابس بعيدة عن الحشمة ، وقد أدى وجودهن إلى حالات من الإفساد والإغواء ، حيث وقع في حبائلهن عـدد من           الشبان ،ممـا جعل الشعراء يـدعون إلى الالتزام بالفضيلة والتقاليـد مطالبيـن المرأة الفلسطينية بعدم التشبه بالمظاهر المنحرفة ، أو الانخداع بها ، وفي ذلك الوقت يقول اسكندر البتجالي(21) .

 فاتنــات مـا بيــن زرق وســود

ســرن يرسلن أسهماً من عيـون

 ويـقهقهـن تــارة كـالـوليــــد

يتلفتــن تــــاره بــازدراء

بهدايــا الهــوى وحلـو الوعيـــد

بيـنهن الحسنــاء مـن خادعوها

ببـياض وحمــرة فــــي الخـدود

والتي خادعت ومــا خادعوهــا

مـن أوروبــا بـكـل زي جـديــد

مـن بنـات اليهود جئـن إليـنـا

فـي غنـى عــن دلائـل وشـهـود

مشهد مـن مشاهـد القدس هــذا

فـي احتيـاج إلــى الصلاح شديــد

غانيــات الأعـراب مهلاً فإنــا

لبـلادي كــم مــن عـدو لــدود

يـا فتـاة البـلاد كـم فـي بلادي

مثـل النـبـل والتـقـي للوليــــد

احذري الزيَّ هذِّبـي الطفلَ كونـي

كـي تكونـي نظيــر أم الرشيـــد

كـي يكـون الوليـد يـوماً رشيداً

 

       لقد اتسم المجتمع الفلسطيني منذ بدايات القرن العشرين بعلاقات الإنتاج التقليدية التي عكست نفسها على العلاقات الاجتماعية السائدة "ففي حين كان سكان القرى في فلسطين يمثلون 71% من مجموع السكان في العام 1922 لم تنخفض هذه النسبة في العام 1944 إلا 5% حيث أصبح سكان القرى يمثلون 66% من السكان العرب في فلسطين"(22) .

        ورغم التحولات التي أصابت المجتمع الفلسطيني نتيجة مصادرة الاحتلال البريطاني لمساحات من الأراضي الزراعية ، وتحول بعض الفلاحين للعمل في المدن، أو في معسكرات الجيش ، ظل المجتمع تقليدياً ، بنيته الأساسية بنية زراعيـة ، ولقـد كان للانتداب البريطاني على فلسطين دور كبير في الإبقاء على تلك البنية المتخلفة للمجتمع العربي الفلسطيني "حيث كانت السياسة البريطانية تقوم على وضع العراقيل الكثيرة أمام نمو صناعة وطنية في فلسطين ، وذلك خدمة لسياسات الغزو الصهيوني للأرض الفلسطينية ، وقد استتبع هذه السياسة إبطاء سير عملية التحديث في المجتمع الفلسطيني ، وربط سيرها بسياسات وغايات الانتداب البريطاني"(23) .      

وقد أدت هذه السياسة إلى تكريس الفقر والجهل والتخلف ، وبات من الصعب تأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة ، مما دفع المرأة إلى مشاركة معيلها في فلاحة الأرض وزراعتها ، وجني المحصول ، ويمكن القول هنا "أن غالبية نساء الريف كانت

تزاول العمل الزراعي ، وهناك نسبة محدودة دفعتهن الحاجة إلى العمل في مصانع فرز التبغ ولفه ، وفي مصانع الصابون والخزف ، وصناعة الحبك ، وكان أجر المرأة يتراوح بين 35-70 مليماً يومياً"(24) .

ثانياً : على الصعيد السياسي :

        لقد بدأ النضال السياسي للمرأة الفلسطينية منذ فترة مبكرة ، وبشكل خاص إثر وعد بلفور عام 1917 الذي تعهدت فيه الحكومة البريطانية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ، وما تبع ذلك من تشجيع لهجرة اليهود ، ودعم لمؤسساتهم الاقتصادية ومنشآتهم الاستيطانية ، وهذا بدوره ألقى على كاهل المرأة العربية الفلسطينية عبئاً جديداً تمثل في المشاركة في النضال الوطني المناهض للاحتلال البريطاني ، والتواجد الصهيوني عبر المظاهرات والمسيرات والإضرابات ، وقد كان تحرك المرأة وقتها عفوياً في حدود ما تسمح به التقاليد .

        ونظراً لارتباط القضايا السياسية بالقضايا المجتمعية ، "فإن المرأة الفلسطينية باشتراكها في الكفاح آنذاك ، بدأت تخطو خطواتها الأولى نحو تحررها الاجتماعي(25).

        ففي العام 1921 أسست إميليا السكاكيني وزليخة الشهابي أول اتحاد نسائي فلسطيني ، وكان هذا الاتحاد ينظم المظاهرات ضد الانتداب البريطاني ، وألّف عدة لجان هدفها مناهضة الانتداب ، والوقوف في وجه الاستيطان الصهيوني(26) ، غير أن تلك اللجان اعتمدت منذ انطلاقها على شريحة اجتماعية ضيقة في قياداتها "متمثلة بنساء الطبقات العليا اللواتي لـم يعانين مـا تعانيـه المرأة العاديـة مـن شتى أنواع الاضطهاد ، لذا اقتصرت المشاركة على النساء اللواتي حصلن على قسط وافر من التعليم والثقافة ، واللواتي كانت ظروفهن الاجتماعية تتيح لحركتهن حرية نسبية"(27) .

        أما أكبر تجمع نسائي تم حشده على مستوى فلسطين ، فكان في أول مؤتمر نسائي يطرح دوره المرأة في مواجهة التحديات السياسية ، "ففي 26/10/1929 التأم

 

المؤتمر في منزل حرم عوني عبد الهادي في القدس ، وشاركت فيه مائتا سيدة أغلبهن من زوجات وأقارب النخبة السياسية الفلسطينية ، وكانت خطوة المؤتمر جريئة ، إذا وضعنا في عين الاعتبار القيود والتقاليد التي كانت تمنع حتـى ذلك الوقت المــرأة العربية من المشاركة في أي حركة "(28) .

        وفي ختام المؤتمر قابل وفد من المشاركات ضم أربع عشرة سيدة المندوب السامي البريطاني ، وألقت إحداهن كلمة أمامه ضمنتها مطالب المؤتمر وهي : "إلغاء وعد بلفور ومنع الهجرة اليهودية ، وتنحية المسيو (بنتوبتش) النائب العام فوراً لأنه يهودي متحمس متحيز"(29) .

        لقد كانت المشاركة النسائية في التظاهرات ، والاعتصامات محدودة ، وتقتصر على عناصر قليلة ، ومن أبرز تلك المشاركات تظاهرات القدس في العام 1933 التي اشتركت فيها خمسون امرأة كن يسرن خلف الرجال ، وهن يرددن الأناشيد الوطنية والحماسية(30) .

        وعندما تفجرت ثورة 1936 ، التي استمرت ستة أشهر كاملة ، برز دور المرأة الفلسطينية على المستويين المدني ، والعسكري ، فقد عقدت ستمائة طالبة اجتماعاً في 4/5/1936 في القدس قررن فيه الإضراب حتى تجاب مطالب الشعب الفلسطيني، وقامت الطالبات في عكا بمظاهرة كبيرة في الشهر نفسه تعرضن فيها للضرب على يـد بوليس الاحتلال ، "وقـامت الجمعيات النسائية بجمـع التبرعات ، وتوزيعها على عائلات الشهداء ، والمعتقلين ، وكانت الاجتماعات تعقد سراً في البيوت، وكن يقمن بخياطة الملابس للثوار ، ويجمعن التبرعات من حلي وجواهر ، لشراء الأسلحة ، كما نزلت المرأة الفلسطينية إلى ميدان القتال والمواجهة ، فاستشهدت (فاطمة خليل غزال) في 26/6/36 عندما نشبت معركة في (وادي عزين) بين الجنود البريطانيين ، والثوار"(31) .

        هذا النشاط الوطني يمكن أن نجد بعض صوره في قصائد تلك المرحلة ، من

 

ذلك مثلاً قصيدة "عودي لخدرك" التي نظمها (محيي الدين الحاج عيسى الصفدي) في نابلس في أوائل ثورة 1936 إثر مظاهرة اشترك فيها فريق من نساء المدينة وطالبات المدارس ، والخطاب موجه للفتاة الفلسطينية(32) :

 

في الحي ما شئتِ من شُوس ومن صيد

عودي لخدرك يا أخت المها عودي

والحسن يشرق من طرف ومـن جيـد

تـبـارك الله إذا أقبـلت مغضبـة

عنـك الأسـى لتواسـي قلب معمـود

فكفكفي الدمع مـن عينيك واطّرحي

ذيـل المفاخـر بيــن الخُـرّد الغيـد

ودونـك الحيَّ جُرِّي في مسارحـه

حمر المنـاصل فـوق الضُّمَّر القــود

أمـا رأيت ليـوث الحي قد برزوا

إلى سبيـل مــن العليــاء محمـود

غاديـن للموت لا يلوون أو يصلوا

في كــل يــوم مـن الأيـام مشهود

فتيــان قـومكِ كـم خَفَّوا لِنائبـة

 

        ومن ذلك أيضاً تصوير (وديع البستاني)لدور المرأة الفلسطينية في إضراب عام 1936 ومشاركتها الفعالة جنباً إلى جنب مع الرجل في أحداث الحياة السياسية(33):

 

والصبية احتشدوا للحرب إن لعبوا

ثـار الشباب ، وثار الشيب قبلهم

والنفـي آنـق مـا أولاهم الأدب

وللنسـاء بـلاء فـي معامعهـا

ويدفنـون وكادت تزحف التـرب

ويسجنون ، وقـد ضاقت سجونهم

 

        وقد شهد (فوزي القاوقجي) قائد جيش الإنقاذ في حديث أجرته معه مجلة "فتاة العراق" على دور المرأة الفلسطينية في الكفاح ودعم الثوار ، ومما قاله : "كانت النساء في معركة بلعا ينجدننا بالماء والطعام ، ونقل العتاد ، ويثرن الشعور بالزغاريد الوطنية وأناشيد البطولة ، وحين حاصرت قوات الإنجليز قوات الثوار كانت النساء تمدنا بكل ما نحتاج إليه ، وبتأثير تحميسهن انتصرنا"(34) .

وتأكيداً على البعد القومي ، تواصلت المرأة العربية في فلسطين مع نساء الأقطار العربية حيث عقد أول مؤتمر نسائي عربي في القاهرة ما بين 15-18 أكتوبر 1938 لدعم الشعب الفلسطيني ومساندته ، وشاركت في المؤتمر الذي سمي بالمؤتمر النسائي الشرقي وفود من الحركات النسائية في كل من مصر والعراق ولبنان وسوريا وفلسطين ، وعضوة من إيران ، وضم الوفد الفلسطيني 27 مندوبة معظمهن من زوجات وأقارب النخبة السياسية الفلسطينية التي كانت تعكس السلم الاجتماعي -الطبقي الفلسطيني(35) .

        وقد انبثقت عن المؤتمر - الذي ترأسته السيدة (هدى شعراوي) رئيسة الاتحاد النسائي المصري - قرارات تؤيد مطالب العرب في فلسطين من إلغاء الانتداب ووعد بلفور ، ووقف الهجرة الصهيونية ، وانتقال الأراضي العربية لليهود ، واستنكار السياسة البريطانية في فلسطين القائمة على البطش والتنكيل واضطهاد الحريــات ، وإنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة ، ودعوة كل عربي إلى مساعدة الفلسطينيين ، وإيواء، وتعليم أبناء وبنات الشهداء(36) .

        لقد كان أداء الوفد النسائي الفلسطيني مميزاً انعكس على أعمال المؤتمر ، ونتائجه(37)، وحول ذلك كتبت جريدة التايمز اللندنية : "من أهم المزايا التي امتاز بها المؤتمر النسائي ما وصلت إليه المرأة الشرقية من التحرر الاجتماعي والذكاء السياسي، فإذا استثنينا سبع عضوات من المسيحيات العرب لا نجد بين المندوبات مـن

جاءت ، وبرفقتها أحد من أعضاء أسرتها الذكور لرعايتها ، وفوق ذلك فإن من بين مندوبات فلسطين ثلاثاً من نابلس التي يضرب بها المثل في الحرص الشديد على التقاليد"(38).

        وإثر اشتعال معارك 1948 شكلت المرأة الفلسطينية في يافا فرقة من النساء حملت اسم "زهرة الأقحوان" كان من أبرز أعضائها : (جهينة خورشيد) و(عربية خورشيد) ، كما أسست (لولو أبو الهدى) جمعية التضامن النسائي ، حيث قامت النساء بتضميد الجروح في المستشفيات ، وحمل الماء والمؤن إلى الثوار ، وحفر الخنادق ، وبناء الاستحكامات ، بالرغم من القهر الاجتماعي الذي كن يعانين منه .

لقد سجلت المرأة أعمالاً بطولية، وسقط عدد من النساء شهيدات وهن يتصدين مع الثوار لهجمات الصهاينة مثل : حلوة زيدان وجميلة أحمد وذيبة عطية وحياة البلبيسي(39) .

إن المتتبع لمسيرة الحركة النسائية الفلسطينية قبل نكبة 1948 يلاحظ أمرين :

1- أنها قد اقتصرت خاصة في المدن على النساء اللواتي حصلن على نسبة من التعليم، والثقافة ، واللواتي لم يجدن حرجاً فـي خروجهن ، وتحركهن ، ومشـاركتهن "التي كانت مقتصرة على المظاهرات وبرقيات الاحتجاج ،وعقد المؤتمرات من خلال الهيئات النسائية ، تلك الهيئات التي أفرزتها البورجوازية الوطنية آنذاك"(40) ، أما المرأة في الريف فكانت مشاركتها نابعة من وجودها قرب مراكز الثورة في الريف ، ولم تتعد هذه المشاركة كونها تأمين الطعام للمناضلين ، أو إيواءهم(41) .

2- عدم طرح قضايا المرأة خاصة - التحرر من القيود الاجتماعية ، مساواتها بالرجل، فتح أبواب العلم والعمل لها- وإنما اقتصر دورها على التعبيرات الاحتجاجية، وردات الفعل الاجتماعية ، انطلاقاً من تغليب المطلب الوطني على أي مطلب خاص ، لذا لم تمتلك تلك الحركة هوية نسوية واضحة ، حيث استندت استراتيجيتها إلى تقديم خدمات ذات طابع إغاثي خيري في الأغلب .

 

*    *    *

هوامش :

 

1- مريم سليم وأخريات ، المرأة العربية بين ثقل الواقع وتطلعات التحرر ، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1  سلسلة كتب المستقبل (15) بيروت ، مايو 1999 ، ص35 .

2- د.محمد شحادة عليان ، الجانب الاجتماعي في الشعر الفلسطيني الحديث ، دار الفكر والنشر والتوزيع ،ط1 ، عمان ، الأردن ، 1987 ، ص153 .

3- ولدت فدوى طوقان عام 1917 ، للمزيد ينظر : سلمى الخضراء الجيوسي ، موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر "الشعر" ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1997 ، ص326 .

4- فدوى طوقان ، رحلة جبلية ، رحلة صعبة ، دار الثقافة الجديدة ، القاهرة ، 1989 ، ص39 .

5- د.عبد الرحمن ياغي ، حياة الأدب الفلسطيني الحديث من أول النهضة حتى النكبة ، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، 1968 ، ص110 .

6- المصدر السابق ، ص340 .

7- المصدر السابق ، ص196 .                                                     

8- ولد اسكندر الخوري في بيت جالا في فلسطين سنة 1880 ، نال شهادة الحقوق ، وعمل في سلك القضاء ، ومما يروى عنه أنه كان يصدر أحكامه في قضاياه نظماً ، كان يجيد لغات العربية والتركية واليونانية والروسية والفرنسية والإنجليزية ، توفي سنة 1973 ، وقد مُنح اسمه وسام القدس للثقافة والفنون سنة 1990.

للمزيد ينظر :

- أحمد عمر شاهين ، موسوعة كُتاب فلسطين في القرن العشرين ، المركز القومي للدراسات والتوثيق، ط2 ، غزة ، 2000 ، ص99-101 .

- د.كامل السوافيري ،الأدب العربي المعاصر في فلسطين ، دار المعارف فــــي مصـــــر1979 ، ص92-96 .

9-اسكندر الخوري البيتجالي ، ديوان العنقود ، مطبعة بيت المقدس ، القدس ، 1946 ، ص55-56.

10- كمال غنيم ، المسرح الفلسطيني : دراسة تاريخية نقدية ، رسالة دكتوراة مخطوطة ، القاهرة ، جامعة عين شمس ، 2001 ، ص60 .

11- د.عبد الرحمن ياغي ، مصدر سابق ، ص105-107 .

12- لم تتجاوز نسبة الأموال التي خصصت للمعارف سنوياً 5% من ميزانية الحكومة ، مما حدا بالبلديات والمؤسسات الوطنيةوالأفراد بالتبرع بمبالغ وفيرة لإنشاء المدارس والإنفاق عليها ، ففي الوقت الذي انفق فيه أهالي فلسطين مبلغ 150.000 جنيه على المدارس سنوياً نجد أن المبالغ المخصصة في ميزانية الحكومة لإدارة المعارف العامة 33/1934 بلغت 180.000 جنيه أي بما لا يزيد عن 30.000 جنيه مما تبرع به الأهالي .

للمزيد ينظر :

-     مصطفى الدباغ ، التعليم في فلسطين في عهد الانتداب ، الموسوعة الفلسطينية ، القسم الثاني ، الدراسات الخاصة ، المجلد الثالث ، ط1، بيروت 1990 ، ص71 .

13- د.محمد شحادة عليان ، مصدر سابق ، ص154-155 .

14- نبيل بدران ، التعليم والتحديث في المجتمع العربي الفلسطيني ، ج1 ، مركز الأبحاث ، منظمة التحرير الفلسطينية ، أغسطس 1969 ، ص121 .

15- مصطفى الدباغ ، مصدر سابق ، ص43-44.

16-فدوى طوقان ، رحلة جبلية .. رحلة صعبة ، مصدر سابق ، ص111 .

17- نبيل بدران ، مصدر سابق ، ص138 .

18- د.نبيل خالد أبو علي ، المرأة في شعر إبراهيم طوقان ، مجلة كلية اللغة العربية ، جامعة الأزهر بالقاهرة ، العدد السابع عشر ، 1419هـ -1999م ، ص465-466 .

19- ديوان إبراهيم طوقان ، ط1 ، مكتبة المحتسب ، عمان ، 1984 ـ ص98-99 .

20-د.نبيل خالد أبو علي ، مصدر سابق ، ص451-452 .

21- اسكندر الخوري البيتجالي ، ديوان العنقود ، مطبعة بيت المقدس ، القدس ، 1946 ، ص69-70 .

22- بيل بدران ، مصدر سابق ، ص127.

23-غازي الخليلي ، المرأة الفلسطينية والثورة ، مركز الأبحاث ، منظمة التحرير الفلسطينية ، بيروت، يونيو 1977 ، ص71 .

24- زينب الغنيمي ، تطور وضع المرأة الفلسطينية ، مجلة شئون فلسطينية ، العدد 210 ، سبتمبر أيلول 1990، ص41 .

25- عصماء نعمة ، دور المرأة في الثورة الفلسطينية ، مجلة شؤون عربية ، العدد 54 ، يونيو 1988 ، ص30.

26-خديجة أبو علي ، مقدمات حول واقع المرأة وتجربتها في الثورة الفلسطينية ، منشورات الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية ،1975 ، ص44 .

27- مجموعة من الباحثين ، الانتفاضة مبادرة شعبية ، مقال : إيلين كتاب ، مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتفاضة ، ط1 ، القدس ، 1990 ، ص387 .

28- عوض خليل ، الحركة النسائية الفلسطينية ، مجلة شؤون فلسطينية ، العدد 244،245 ، يوليو أغسطس ، 1993 ، ص21 .

29-  وفيقة الشاعر ، كفاح المرأة على الصعيدين العالمي والعربي (الفلسطيني) ، ط1 ، دمشق 1973 ، ص73 30- زينب الغنيمي ، مجلة شؤون فلسطينية ، مصدر سابق ، ص42 .

31- نجوى وصفي أبو زعنونة ، السمات الشخصية لدى المرأة الفلسطينية العاملة في مجال السياسي، رسالة ماجستير ، جامعة الأزهر ، غزة ، 1999 ، ص92 .

32-محيي الدين الحاج عيسى، ديوان من فلسطين وإليها، المطبعة السورية، حلب1975، ص31-32.

33- د.نبيل خالد أبو علي ،  مصدر سابق ، ص457 .

34 -عوض خليل ، الحركة النسائية الفلسطينية ، مصدر سابق ، ص27 .

35- في افتتاح المؤتمر أنشدت تلميذات مدرسة الاتحاد النسائي المصري أنشودة نظمها الشاعر محمود أبو الوفا ، ولحنها الأستاذ محمد القصبجي ، منها :

 

فــي فلسطين صبايـــا مثلكن

يــا بنات الشرق هذا يومكـن

تركوا الأطفال في أحضانهن

قُتِّلـت أو شُـردت رجــــالهـن

ويعيــد النور فـــي بسماتهن

لم يجدن الآن مـــن يرحمهن

                                               يـا إلهي يا إلهي كن لهن

 

انظر : - أكرم زعيتر ، الحركة الوطنية الفلسطينية 1935-1939 ، يوميات أكرم زعيتر ، ط1 ، مؤسسة الدراسات ا7لفلسطينية ، بيروت ، 1980 ، ص476 .

36- أكرم زعيتر ، الصدر السابق ، ص485-487 .

37- تلبية لقرارات المؤتمر قام الاتحاد النسائي المصري بتشكيل لجنة التبرعات لمساعدة الضحايا الفلسطينيين، ووصل مقدار ما جمع من تبرعات (148.56) جنيهاً ، كما كان صافي إيراد الحفل الذي تبرعت بإحيائه أم كلثوم (103.730) جنيهاً ، وإيراد حفلة أقيمت في الأوبرا تبرع بإحيائها صالح عبد الحي وفرقته من هواة التمثيل ، ويرأسها عبد البديع خيري (328.500) جنيها ، وهذه المبالغ جُمعت في ديسمبر 1938 .

للمزيد انظر : -

د.آمال كامل بيومي السبكي ، الحركة النسائية في مصر بين الثورتين 1919 و 1952 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1986 ، ص86 .

38- أكرم زعيتر ، مصدر سابق ، ص490 .

39- نضال المرأة الفلسطينية ، مركز الأبحاث ، المجلس الوطني الفلسطيني ، منظمة التحرير الفلسطينية ، بيروت، سبتمبر أيلول 1975 ، ص6-7 .

40- فدوى طوقان ، مصدر سابق ، ص129 .

41- غازي الخليلي ، المرأة الفلسطينية والثورة ، مصدر سابق ، ص77 .

 


 

 

 

 

2- المرأة الفلسطينية بين نكبتي 1948 ، 1967 :

 

        بعد إقامة الكيان الصهيوني على الجزء الأكبر من فلسطين بعد حرب 48 تم اقتلاع غالبية الشعب الفلسطيني من أرضه وبيته ، حيث وجد ما يزيد عن 900 ألف فلسطيني أنفسهم بلا مأوى ، أو مورد رزق ثابت مشتتين في أكثر من مكان(1) .

        وقد أثرت هذه النكبة على الأكثرية الساحقة للشعب الفلسطيني فانعزل قطاع  غزة ، وهو شريط ساحلي ضيق مجموع مساحته 363 كيلو متراً مربعاً ، أي 1.3 من مساحة فلسطين ، وانفصلت الضفة الغربية - أي ما تبقى من لواءي القدس ونابلس عن الموانئ الفلسطينية ، وأضحت منطقة بعيدة ، وخسر سكان كل من الضفة والقطاع قسماً كبيراً من أراضيهم الزراعية(2) ، بحيث أصبح أكثر من 45% من أهالي المنطقتين معدمين ، "وقد أدى هذا الاقتلاع إلى تفسخ التركيب الطبقي للمجتمع الفلسطيني بمجمل مستوياته : الاجتماعية ، القانونية ، السياسية ، الاقتصادية ، العسكرية ، والجغرافية"(3) . مما نجم عنه تغير في العلاقات الاجتماعية التي سادت قبل النكبة ، وتشكيل طبقات جديدة .

        قد كان النازحون إلى الضفة الغربية وقطاع غزة من أكثر الفئات التي تضررت نظراً لتواجدهم في مناطق ذات قدرة اقتصادية محدودة بسبب احتلال اليهود لباقي الأرض الفلسطينية ، مما جعل معظم سكانها في حالة من الفقر والبطالة ، وهذا تطلب أن يصبح الإنفاق على الأسرة مسئولية يشارك فيها جميع أفراد الأسرة .

        "لقد تأثرت المرأة الفلسطينية بشكل مباشر بهذا الواقع الذي نشأ ،وذلك بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية ، وتشتت العائلة وفقدان الأبناء والأزواج في سياق الحرب، والهجرة ، حيث وجدت المرأة نفسها في مواجهة أوضاع الفقر واليتم والتشرد وغياب رب الأسرة ، وكان عليها أن تتحمل عبء حماية الأسرة ، ومــواجهة المسئوليـات

الجديدة"(4) ، تلك المسئوليات التي دفعت المرأة ، وتحت ضغط الضرورات أن تزاول أعمالاً كانت تأنفها سلطة العائلات قبلاً ، فالفتاة التي كانت تحرمها التقاليد من العمل اضطرتها الحاجة الاقتصادية إلى كسر حدود التقاليد ، والخروج إلى العمل خارج البيت "وهو خروج سوف لا تقتصر تأثيراته على كسر حدود التقاليد في هذا المجال فقط ، بل وأيضاً مع ما يحمله هذا الخروج من نمو لشخصية الفتاة داخل الأسرة وفي المجتمع باعتبارها أصبحت عضواً منتجاً تعتمد عليه الأسرة في تأمين جانب من أسباب معيشتها"(5) .

        وبسبب فقدان الأرض ، وضياع البيت اكتشف الفلسطينيون أن التعليم هو الطريق المأمول الموصل لدخل مقبول وعمل لائق ، لذا عمدوا إلى تعليم أبنائهم   وبناتهم ، خاصة بعد انتشار المدارس التابعة لوكالة غوث اللاجئين في المخيمات ، وما كان محرماً بالأمس - خروج المرأة من البيت والعمل- أصبح حاجة ملحة فرضتها الضرورة الاقتصادية ، لذا وجدنا الفتاة تندفع نحو طلب العمل والتدريب المهني ، واكتساب المعارف الجديدة التي تساعد على رفع مستواها الاقتصادي والاجتماعي(6).

        لقد ساهم هذا التطور في ازدياد تحرر المرأة من قيود البيت ، وأكسبها نوعاً من الاستقلالية في الرأي ، بحيث شهدت مناطق الضفة والقطاع في تلك الفترة ارتحال الفتيات وحدهن إلى أقطار البترول للبحث عن عمل أسوة بالشبان(7) .

        أما على صعيد العمل السياسي ، فيمكن أن نسجل للمرأة الفلسطينية دورها الهام في حماية المورث الثقافي ، والحفاظ على الذاكرة حية من خلال استحضار رموز الوطن ، وتكريسها في وجدان الناشئة .

        إضافة إلى ذلك بدأت المرأة تسهم بشكل فاعل من خلال الاتحادات والجمعيات النسوية التي كانت تقدم الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية للأسر الفلسطينية التي شردتها النكبة ، ومن هذه الجمعيات :

1- جمعية الاتحاد النسائي العربي .

2- دار الطفل العربي في القدس ، وأسستها هند الحسيني لرعاية أطفال شهداء دير ياسين .

3- دار رعاية الأحداث .

4- دار اليتيم العربي .

5- جمعية النهضة النسائية برام الله .

6- دار الفتاة اللاجئة - القدس .

7- جمعية المناضل الجريح .

        وهذه الجمعيات لم تكن أطراً نسائية جماهيرية ، حيث ظلت عملية استيعاب طاقات المرأة محكومة بقيود العادات والتقاليد . "لذا بقي النشاط السياسي للمرأة الفلسطينية حتى عام 1965 حالة طلائعية محصورة إلى حد كبير بين نسوة نلن قسطاً من التعليم والثقافة ، كن في غالبيتهن من عائلات برجوازية غلب عليها الجو الوطني السياسي أو قريبات لأعضاء في الأحزاب ، دون أن يصل الأمر إلى باقي قطاعات النساء الواسعة ، باستثناء فترات المد الوطني التي كانت تجرف أوسع الجماهير إلى النضال"(8) .

        لقد اندمج الفلسطينيون بعد نكبة 1948 مع الحركات القومية العربية التي كانت تملأ الساحة العربية على أمل العودة ، وتحرير فلسطين ،وكانت المرأة كجزء من الحركة الوطنية الفلسطينية جزءاً من هذا الاندماج(9) . حيث كانت مشاركتها النضالية - وإن كانت محدودة بفعل قوة وثقل التقاليد الاجتماعية المعيقة لتحركها- مؤثرة في تحريك واقعها الجامد المتخلف .

        ففي الخمسينيات قامت المرأة الفلسطينية بدور تحريضي بارز ، فشاركت في المظاهرات وتوقيع العرائض ، وطباعة المنشورات وتوزيعها ، وساهمت في المسيرات والإضرابات الوطنية المختلفة التي عمت عدداً من الأقطار العربية تأيـيداً

للوحدة العربية واستنكاراً للأحلاف الاستعمارية(10) .

        ومن الشواهد على هذه المشاركة استشهاد الطالبة (رجاء أبو عماشة) وهي تقود مظاهرة في شوارع القدس ضد حلف بغداد عام 1955 حيث قتلت برصاص الجنود البريطانيين ، وهي تمزق العلم البريطاني(11) .

        وفي قطاع غزة شاركت المرأة بشكل محدود في الهبات الجماهيرية الواسعة في الأعوام 1954-1955 لإحباط مشاريع التوطين ، وفي الأعوام 64 ، 65 ، 1966 تأييداً لمنظمة التحرير الفلسطينية واستنكاراً للاعتداء الإسرائيلي على قرية السموع .

        ولقد شكل قيام منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1964 دافعاً قوياً أكد الفلسطينيون من خلاله على هويتهم المستقلة ، ومع انطلاقة الثورة المسلحة في بداية العام 1965 بدأت تتبلور الشخصية الوطنية الفلسطينية التي أخذت تعلن برنامجها السياسي في النضال وتحرير فلسطين ، وقد انعكس هذا الوضع على المرأة بشكل واضح ، حيث واتتها الفرصة لإبراز دورها على الصعيد الوطني الشامل ، وتوحيد الجهود المتفرقة "ففي أول مجلس وطني فلسطيني انعقد في القدس في مايو 1964 اشتركت عشر نساء باعتبارهن ممثلات للقطاعات النسائية المختلفة ، وبوحي منهن اتخذ المؤتمر قرارين بصدد المرأة ، نصَّ الأول على العمل على محو الأمية ، ورفع مستوى الأسرة الفلسطينية ، ونصَّ الثاني على اشتراك المرأة الفلسطينية في جميع مجالات التنظيمي والنضالي ، ومساواتها بالرجل في جميع الحقوق والواجبات"(12) .

        وفي يوليو 1965 عقد أول مؤتمر نسائي في القدس بحضور 129 مندوبة مثلن الاتحادات والجمعيات والروابط النسائية الفلسطينية في الأقطار العربية والضفة الغربية وقطاع غزة من أجل توحيد نضال المرأة ، وتوسيع مجالات اشتراكها في معركة التحرير ، وقد اتخذ المؤتمر القدس مقراً له ، وانتخب الهيئة التنفيذية للاتحاد برئاسة السيدة (عصام عبد الهادي) ، وقد اعتبر الاتحاد نفسه تنظيماً نسوياً ، شعبياً ، ديموقراطيا يمثل المرأة الفلسطينية أينما وجدت ، ويستهدف تنظيمها ، وتعبئة طاقتها

من أجل تحرير الوطن وتحرير المرأة من كل أشكال الغبن(13) .

        ولقد كان لتأسيس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية دور هام وإيجابي على صعيد تطوير العمل النسائي ، وقضية تحرير المرأة ومساواتها بالرجل في الحقوق والواجبات كمسألة مُلحة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي ، "حيث نظم الاتحاد ، وقاد نضالات المرأة الفلسطينية عبر المراحل الكفاحية المختلفة ، كما قاد حملات إعلامية لنقل القضية الفلسطينية ، ووضع المرأة الفلسطينية في المحافل الدولية ، وذلك عن طريق المشاركة في مؤتمرات نسوية عالمية"(14) .

 

*    *    *

هوامش

 

1- أشارت سجلات الأمم المتحدة إلى أن الفلسطينيين الذي اضطروا للهجرة في عام 1948 توزعوا في الأقطار العربية كالتالي : 83.187 في سوريا ، 106.896 في لبنان ، 465.341 في الأردن ، 200.143 في غزة ، إضافة إلى 24.830 تحولوا إلى لاجئين في فلسطين المحتلة .

للمزيد انظر : - غازي الخليلي ، مصدر سابق ، ص83 .

2- نبيل أيوب بدران ، التعليم والتحديث في المجتمع العربي الفلسطيني ، ج2 ، مركز الأبحاث ، منظمة التحرير الفلسطينية ، بيروت ، 1979 ، ص31 .

3- عصماء نعمة ، مصدر سابق ، ص72 .

4- زينب الغنيمي ، مصدر سابق ، ص90 .

5- غازي االخليلي ، مصدر سابق ، ص90 .

6- مي صايغ ، المرأة العربية والفلسطينية ، منشورات الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية ، ص30 .

7- في العام 1965 كانت تعمل في الكويت 2258 فلسطينية معظمهن في سلك التعليم ونتيجة عدم توفر إحصائيات عن الفتيات العاملات في أقطار البترول العربية قبل العام 1967 ، باستثناء الكويت نورد إحصائيات 1968 ، حيث بلغ عدد المدرسات الفلسطينيات في السعودية 2592 منهن اثنتان في الجامعات ، وفي البحرين كانت هناك 21 معلمة فلسطينية ، وفي أبو ظبي 77 معلمة ، وفي قطر 249 معلمة .

للمزيد انظر : - غازي الخليلي ، مصدر سابق ، ص94 .

8- حفيظة محمد سعيد أحمد ، الفن القصصي في أدب المرأة الفلسطينية المعاصرة ، رسالة ماجستير، معهد الدراسات الإسلامية ، القاهرة ، 1996 ، ص43 .

9- عبلة الدجاني ، المرأة الفلسطينية والطفل الفلسطيني في مواجهة الغزوة الصهيونية ، دار المستقبل      العربي ، القاهرة ، 1992 ، ص33 .

10- عصماء نعمة ، مصدر سابق ، ص37،38 .

11- حفيظة محمد سعيد أحمد ، مصدر سابق ، ص43 .

12- د.محمد شحادة عليان ، مصدر سابق ، ص158 .

13- زينب الغنيمي ، مصدر سابق ، ص48-44 .

14- حفيظة محمد سعيد أحمد ، مصدر سابق ، ص44 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

3- واقع المرأة الفلسطينية منذ بداية الاحتلال 1967 إلى ما قبل الانتفاضة 1987 :

 

أ- نضالها على المستوى السياسي :

        لعبت المرأة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة دوراً هاماً في مقاومة الاحتلال ، وتنظيم الأنشطة الاجتماعية التي استهدفت تخفيف الأضرار الناجمة عن ممارسات الاحتلال ، حيث تشكلت بعد ستة أشهر من وقوع الاحتلال أول لجان جماهيرية مختلطة "نساء ورجال" في رام الله والبيرة سميت لجان إغاثة المتضررين ، وقامت الجمعيات الخيرية بعمليات مسح اجتماعي لمعرفة الحالات الإنسانية ، حيث قامت جمعية إنعاش الأسرة في البيرة بتعبئة نماذج خاصة بالأسر المتضررة أقرت بموجبها مقدار المساعدة الممكنة(1) .

        إلى جانب ذلك لم تترك المرأة وسيلة للتعبير عن رفضها للاحتلال الصهيوني إلا مارستها ، وعبرت فيها عن وقوفها مع شعبها من خلال المشاركة في المظاهرات ، والمسيرات أو توزيع المنشورات ورفع الأعلام ، وعقد الندوات والمؤتمرات ، وإقامة الاعتصامات ، أو كتابة عرائض الاحتجاج ورفعها إلى الهيئات الدولية .

        ففي غزة خرجت أول مظاهرات نسائية في أغسطس 1967 احتجاجاً على الفظائع الإسرائيلية ، وفي شهر إبريل 1968 اشتركت ثلاثمائة امرأة عربية في مظاهرات جابت شوارع القدس احتجاجاً على إقامة الاستعراض العسكري في المدينة ، وألقى القبض في مدينتي الخليل وبيت لحم على عدد من الفتيات بتهمة جمع الأموال للفدائيين ، وتوزيع النشرات المعادية لإسرائيل ، وفي شهر أكتوبر 68 اعتصمت ثلاثمائة امرأة فلسطينية من أقارب السجناء في نابلس وجنين وطولكرم في قاعة بلدية نابلس احتجاجاً على وفاة أحد المعتقلين(2) ، وفي نوفمبر من العام نفسه استشهدت في مدينة نابلس (شادية أبو غزالة) فكانت أول شهيدة لحركة التحرير الوطني الفلسطيني بعد الاحتلال .

        وكنتيجة للمظاهرات الطلابية تعرضت كثير مـن المعلمات للضرب المبرح ،

وأصيب بعضهن إصابات بليغة من قبل سلطات الاحتلال ، ووُجهت تهمة التحريض على المقاومة للعديد منهن ، فتعرضن بسبب ذلك إلى إجراءات تعسفية منها السجن أو الفصل من العمل ، أو النقل إلى أماكن بعيدة عن سكناهن ، وتخفيض درجة المعلمة أو تجميدها(3) .

        كان أول اعتصام نسائي بعد الاحتلال في 26 يناير 1969 في القدس عندما اعتصمت في كنيسة القيامة سبع عشرة امرأة من مختلف مدن الضفة الغربية احتجاجاً على السياسة التي تتبعها سلطات الاحتلال في الضفة والقطاع ، وقد ألقت قوات الشرطة القبض على أربع نساء من المعتصمات ، لتتسع إثر ذلك موجة الاعتصامات النسائية ، تضامناً مع المعتقلين ، واحتجاجاً على مصادرة الأراضي ، وإقامة المستوطنات ، واستنكاراً للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على المقدسات الإسلامية في المسجد الأقصى ، والحرم الإبراهيمي في الخليل أو على المؤسسات الأكاديمية .

        لقد تعرضت النساء لإجراءات الاحتلال التعسفية من اعتقال وإبعاد ، وفرض إقامات جبرية ، "ولكن بقيت السمة الغالبة لنشاطات الحركة النسائية حتى بداية عام 1978 تدور في إطار المبادرات الفردية المحدودة ، ذات الطابع العفوي والاحتجاجي متمثلة بأشكال مختلفة كجزء من دعوات الحركة الوطنية"(4) ، وقد اقتصرت المشاركة على أمهات وأخوات المناضلين والمعتقلين ، ولم تتمكن الحركة النسوية حتى ذلك الوقت من إشراك الجماهير النسائية المنتشرة في الريف والمخيمات والأحياء الفقيرة في المدن"(5) .

        وإذا كنا نلمس في بدايات سنوات الاحتلال الطابع المحدود لمشاركة المرأة فإن النصف الثاني من السبعينيات قد تميز بانخراط المرأة شبه النشط في التحركات الجماهيرية "وقد تعددت أشكال مشاركة المرأة في هذه المرحلة ، فساهمت في النضال السري المسلح وغير المسلح ، كما ساهمت فـي النضال العلنـي ، وانخرطـت فـي

المنظمات المقاومة المختلفة ، كمقاتلة ومسعفة وداعية سياسية ومحرضة جماهيرية"(6).

        لقد أدركت المرأة العربية الفلسطينية أهمية النضال من أجل الوطن ، فخاطرت بالانتماء إلى المنظمات المسلحة ، رغم علمها أن ذلك قد يسبب هدم بيتها ، وتشتيت عائلتها ، وتعرض أفرادها للتعذيب ، بالإضافة إلى تعرضها للسجن ، مما يؤدي إلى حرمانها من رعاية أطفالها(7) بحيث بلغ عدد المعتقلات اللواتي دخلن السجون الإسرائيلية ، وصدرت بحقهن أحكام بالسجن تتراوح بين السنة والسجن المؤبد ألف امرأة حتى عام 1985(8) . كذلك لم تسلم المرأة الفلسطينية من الإبعاد خارج الوطن حيث بلغ عدد المبعدات بين السنوات 1968 - 1983 من الضفة والقطاع اثنتين وستين مبعدة تم إبعادهن بحجة اتهامهن بالتحريض ، أو الاشتراك في المقاومة(9) .

        واستمراراً لسياسة الاحتلال في كبت الحريات ، فقد وصلت أوامر الإقامة الجبرية التي فرضت على النساء الفلسطينيات حتى عام 1984 عشرين أمراً ، أما عدد الشهيدات اللواتي سقطن برصاص الاحتلال خلال ما يقارب العشرين عاماً من الاحتلال من 1967-1986 فقد بلغن تسعاً وأربعين شهيدة(10) .

       

ب- نضال المرأة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي :

        لم يشهد الاقتصاد الفلسطيني الملحق عنوة بالاقتصاد الإسرائيلي تطوراً طبيعياً يتيح للمرأة أن تشارك فيه بفاعلية تخترق بها جدار عزلتها ، حيث وجدت المرأة نفسها ملزمة منذ الأيام الأولى للاحتلال بالبحث عن عمل نتيجة اضطرارها إلى تحمل مسؤولية الإنفاق على البيت في ظل أوامر الاعتقال أو التوقيف التي طالت كثيراً من أرباب الأسر .

        ولقد تركز عمل المرأة في ميادين محدودة ارتبطت بدورها التقليدي المنزلي ، مثل العمل في صناعات النسيج والخياطة وفي قطاع الخدمات والصناعات الغذائية ، وفي العمل الزراعي الموسمي ، أو التنظيف في المؤسسات وداخل المستشفيات .

        وبشكل عـام فقد تعرضت العاملات الفلسطينيات للاستغلال والقهر الطبقـي والاجتماعي والقومي في معظم الأحيان(11) ، كما يلاحظ أن أغلبهن كان يعمل دون عقود عمل ، لذا كانت أجورهن منخفضة ، كما حُرمن من العلاوات السنوية ، ومن التقاعد أو التعويضات أو الإجازات ، كما أنهن لم يخضعن لشروط التأمين الصحي ، أو العلاج أو الحماية من إصابات العمل ، وقد وصلت ساعات العمل بهن أحياناً إلى أربع عشرة ساعة يومياً(12) .

        وبسبب الأزمة الاقتصادية التي أصابت الاقتصاد الإسرائيلي في منتصف الثمانينيات تأثر الاقتصاد الفلسطيني -المحاصر أصلاً بشروط الاحتلال- مما نتج عنه انخفاض في مستوى دخل الأسرة الفلسطينية ، وزيادة نسبة غلاء المعيشة ، وارتفاع نسبة البطالة ، "وكون المرأة تعمل في ظروف تمييزية في شروط العمل والإنتاج ، فقد عانت أكثر من غيرها من نتائج هذا الوضع مما أدى إلى تقلص أعداد النساء العاملات في الضفة الغربية من (25.100) امرأة عام 1980 إلى (22.300) عام 1987 أي بنسبة 11% بينما انخفض حجم القوة العاملة النسائية في قطاع غزة من (5500) امرأة عام 1980 إلى (4300) امرأة عام 1987 أي بنسبة 21%"(13) .

        وهذا التراجع في نسبة العاملات الفلسطينيات يعود إلى ظروف عملهن غير المستقرة ، حيث ينظر إلى قوة العمل النسوية كقوة احتياطية "فهي أول من يتأثر بالأزمات، وتحديداً البطالة حيث أن قوة العمل النسوية في الغالب غير مدربة"(14) .

        فلو نظرنا إلى الإحصائيات التي تتعرض للأمية عند الفلسطينيات نجد أن القوة العاملة النسائية في الضفة القطاع تتميز بمعدلات عالية من الأمية "حيث أن 44% من عاملات الضفة والقطاع من الأميات ، مما يسهل إبقاء النساء العاملات في الدرجـات

الأدنى من السلم المهني ، وفي المواقع الأكثر هامشية من اقتصاد المناطق المحتـلة ، كالزراعة التقليدية والعمل بالقطعة ، أو في المنازل"(15) .

        هذا الواقع المتدني للمرأة العاملة الفلسطينية أعاق مشاركتها في العمل السياسي أو النقابي المنظم ، وهمّش دورها "مما جعل الحاجة مُلحة إلى منظمات جماهيرية نسوية تتبنى قضايا المرأة العاملة ، وتساهم في حل مشكلاتها ، وتساعدها على تطوير ملكاتها ، والاستفادة من طاقاتها والوعي بدورها السياسي الذي يمكنها من تحقيق مطالبها الخاصة التي ترتبط ارتباطاً لا ينفصم بمطالب وطنها بالحرية والاستقلال الوطني(16) .

        لقد كان للتحولات الاجتماعية المتمثلة في صعود القوى الوطنية والديمقراطية في أواسط السبعينيات، إضافة إلى ارتفاع نسبة التعليم لدى الفتيات مردود إيجابي على صعيد الحركة النسائية في الضفة والقطاع(17)، "فبعد أ ن كانت العفوية هي السمة الغالبة بالنسبة للتحركات الجماهيرية برز ميل لتنظيم الجماهير ، وقد شمل هذا التطور تطوراً في أوضاع الحركة النسائية في المناطق المحتلة"(18) ، إذ برزت في أواخر السبعينيات أطر نسائية تميزت منذ انطلاقتها ببرامجها ونشاطاتها "وقد عبرت هذه الأطر في جوهرها عن فهم الارتباط الوثيق بين النضال الوطني والاجتماعي ، وقامت بطرح برامج عمل هدفها تعبئة وتنظيم الجماهير النسوية في الريف والمخيم ، كما عنيت بطرح المشكلات الخاصة بالمرأة مثل :

التثقيف الصحي ووضعها القانوني ومشكلات الزواج والعمل ومشاركة المرأة في التخطيط ، وتوسيع مشاركتها في العمل النقابي والسياسي والاجتماعي"(19) .

        وهذه الأطر عبارة عن أربع لجان نسائية ساهمت التنظيمات الفلسطينية فــي

إسنادها وهي :

-  اتحاد لجان العمل النسائي ، تأسس في 1987 .

-  اتحاد لجان المرأة العاملة الفلسطينية ، تأسس في 1980 .

-  اتحاد لجان المرأة الفلسطينية ، تأسس في 1981 .

-  اتحاد لجان المرأة للعمل الاجتماعي ، تأسس في 1982(20) .

 

"ولقد تنامت القاعدة الاجتماعية لهذه اللجان النسائية ، لتؤطر في صفوفها حتى عشية الانتفاضة الشعبية في ديسمبر 1987 ما يزيد عن خمسة عشر ألف امرأة ، في حين بلغ ما نظمته الجمعيات الخيرية ، البالغ عددها اثنتين وعشرين جمعية خلال العشرين عاماً الماضية ثلاثة آلاف امرأة غير منظمة في وحدات أو لجان فرعية(21) .

وبالرغم من أن هذه الأطر لم تتبنَ القضايا الجذرية للمرأة الفلسطينية ، وتجنبتها هاربة من مواجهتها مثل التصدي لقضايا المرأة كالطلاق ، معاملة الزوج ، الظلم الاجتماعي، التمييز الواقع عليها، العادات والتقاليد التي تحط من قيمة المرأة ودورها(22). إلا أنها سهلت عملية تأطير وتنظيم أوسع جمهور نسائي حول القضية العامة ، والنسوية خاصة "فمن جهة عملت هذه الأطر على تعزيز دور المرأة النضالي والوطني من خلال رفع وعيها الوطني ، والسياسي لتمكنها من تحسين موقعها في إطار الحركة الوطنية على مستوى أخذ القرار السياسي ، ومن جهة أخرى عملت على تأهيل المرأة ثقافياً ومهنياً لتنخرط في سوق العمل المأجور ، وتصبح عضواً منتجاً ترفع من وعيها الطبقي والاجتماعي لترسى قاعدة المساواة الحقيقية مع الرجل"(23) .

ولا شك أن تلك الأطر قد ساهمت في تهيئة المرأة لدورها الكبير في الانتفاضة.

 

*    *    *

هوامش :

 

1- ساجي خليل ، الحركة الجماهيرية في الأرض المحتلة 1967-1987 ، مجلة الفكر الديمقراطي ، العدد الثاني ، نيقوسيا ، 1988 ، ص112 .

2- نضال المرأة الفلسطينية ، مركز الأبحاث ، المجلس الوطني الفلسطيني ، م.ت.ف ، بيروت ، سبتمبر1975، ص9-10 .

3- ميسون الوحيدي، المرأة الفلسطينية والاحتلال، جمعية الدراسات العربية القدس ، 1986، ص58

4- إيلين كُتاب ، مصدر سابق ، ص387 .

5- ساجي خليل ، مصدر سابق ، ص13 .

6- زهيرة كمال ، المرأة وعملية اتخاذ القرار في فلسطين ، منشورات جمعية الملتقى الفكري العربي ، المجلد السابع ، العددان 3-4 ، القدس 1998 ، ص49 .

7- ميسون الوحيدي ، مصدر سابق ، ص17 .

8- زينب الغنيمي ، مصدر سابق ، ص55 .

9- ميسون الوحيدي ، مصدر سابق ، ص119 .

10- دور المرأة في الانتفاضة ، مطبوعات الإعلام الموحد ، ط1 ، تونس ، 1989 ، ص87 .

11- تجمع التقديرات على أن نسبة النساء الفلسطينيات العاملات في إسرائيل لا يتجاوز 8% من النساء العاملات في الضفة والقطاع ، بسبب شروط العمل القاسية ، المذلة ، وطبيعة فرص العمل المتوفرة ، والنهب المنظم لنحو 20% من أجرها دون أن تستفيد مقابل ذلك من أي ضمانات اجتماعية .

للمزيد ينظر : - بيرا ريدايلي ، المرأة الفلسطينية في المناطق المحتلة ، مجلة الفكر الديمقراطي ، العدد الأول ، نيقوسيا ، 1988 ، ص33 .

12- لمزيد من التفاصيل ينظر :

-سلسلة شئون تنموية ، الملتقى الفكري العربي، العدد الثالث ، القدس ، ديسمبر1988 ، ص9،10 .

-ميسون الوحيدي ، مصدر سابق ، الفصل العاشر .

13- ربحي قطامش، الطبقة العاملة الفلسطينية، مركز الزهراء، القدس سبتمبر أيلول 1989 ، ص107.

14- شؤون تنموية (3) ، مصدر سابق ، ص22 .

15- بيرا ريدالي ، مصدر سابق ، ص34 .

16- فيحاء عبد الهادي ، نماذج المرأة البطل في الرواية الفلسطينية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1997 ، ص92 .

17- انخفضت نسبة الأمية في صفوف النساء في مناطق الضفة والقطاع من سن14 فما فوق من65% عام 1970 إلى 35% عام 1985 ، أما نسبة الإناث في جامعات الضفة والقطاع الست فقد ارتفعت إلى 43.5% من مجموع الطلاب ، حيث بلغ عدد الطالبات الجامعيات في عام 1986 (6500) طالبة .

للمزيد ينظر : - وحيد عبد المجيد ، الشمولية الاجتماعية للانتفاضة ، مجلة شؤون فلسطينية ، العدد 193 ، إبريل 1989 ، ص8،9 .

18- فيحاء عبد الهادي ، مصدر سابق ، ص73 .

19- محمد الحاج يحيى وآخرون ، المرأة الفلسطينية وبعض قضايا العنف الأسري ، مركز بيسان للبحوث والإنماء ، رام الله ، سبتمبر 1995 ، ص37 .

20- إيلين كتاب ، مصدر سابق ، ص39 .

21- فيحاء عبد الهادي ، مصدر سابق ، ص73 .

22- نجاح مناصرة ، المرأة في الأسرة الفلسطينية ، مجلة الكاتب ، العدد 119 ، القدس ، مارس 1990 ص26

23- ايلين كتاب ، مصدر سابق ، ص39 .


 

4- المرأة الفلسطينية في الانتفاضة 1987 - 1993 :

 

        شكل تراكم سلبيات سياسة القمع العنصري الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الأرض المحتلة جملة من الأسباب التي تضافرت لتسهم في الانفجار الشعبي الذي عُرف باسم الانتفاضة ، تلك الانتفاضة التي امتدت فعاليتها وشموليتها سبع سنوات ساهمت في إحداث تحولات عميقة في مختلف مجالات حياة المجتمع الفلسطيني .

        لقد كان دور المرأة الفلسطينية في الانتفاضة لافتاً في ضوء تحملها مسؤولية البيت - تربية الأبناء وتوجيههم ، توعيتهم ، توفير الأمن ، تلبية الحاجات اليومية- مما ساهم في تعزيز مفاهيم الاقتصاد المنزلي وضبط الاستهلاك وتقنين المصروفات ، والبحث عن بدائل .

في إطار هذه التحولات كان من السهل انتشار القيم الاجتماعية الجديدة التي تطورت خلال الانتفاضة على أوسع نطاق "وهي القيم المرتبطة بأولوية النضال ضد الاحتلال على ما عداه ، بما يقود إليه ذلك من تأكيد الثقة في النفس ، والتخلص من مشاعر استضعاف قيمة الدور الذي يمكن القيام به من أجل التحرر"(1) .

       وعلى الرغم أن السمة العامة للمجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع هي مجتمع تقليدي تحتل المرأة فيه مكانة أقل من الرجل ومستوى أقل في نشاطاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فإن تطورات الانتفاضة ، ومجريات أحداثها حملت مفاجأة بصدد موقع المرأة ، ودورها في المجتمع من ناحية مشاركتها ، حيث تقدمت المرأة لتلعب دوراً لا يقل أهمية عن دور الرجل(2)، ولعل نداءات القيادة الموحدة للانتفاضة التي توجهت إلى كل قطاعات المجتمع، ومنها النساء كي تلتحق بالنضال التحرري قد أتاحت للمرأة الفرصة كي تجد لنفسها أدواراً مفيدة للمشاركة في الانتفاضة صادقت عليها القيادة السياسية، وبالتالي أصبحت مقبولة في البيئة الاجتماعية .

من هنا وجدنا المرأة تشارك بأدوار لا تحصى متجاوزة كل العادات والتقاليد ، وقد انعكس ذلك كله على صعيد نمط الحياة في مجتمع الانتفاضة ، إذ حدث تراجع في طقوس الاحتفالات المرافقة للزواج ، "فانخفضت قيمة المهور ، واختفت مظاهر البذخ

والإنفاق ، وتفاوتت حالات الاختلاط بين الجنسين من منطقة إلى أخرى ، ومن تجمع لآخر ، حيث اختلطت الفتاة بالشبان من خلال المشاركة المباشرة في فعل الانتفاضة ، ولم تختلط بهم في مجالات الحياة الاجتماعية"(3) .

        لقد اتصفت الانتفاضة بمشاركة معظم النساء في شتى أشكال المقاومة ، وإن اختلفت هذه المشاركة في طبيعتها من طبقة إلى أخرى ، حيث قامت معظم نساء الطبقات العليا الموجودة بشكل رئيسي في المدن بتأدية مهام تمركزت حول أعمال الإغاثة ، من خلال الحركات النسائية التقليدية ، أما نساء بقية الطبقات اللواتي عكسن بصورة أكبر الأطر النسائية الجديدة - اتحاد لجان العمل النسائي ، اتحاد لجان المرأة العاملة الفلسطينية ، اتحاد لجان المرأة الفلسطينية، اتحاد لجان المرأة للعمل الاجتماعي- فقد شاركن إضافة إلى أعمال الإغاثة بالفعاليات النضالية من مظاهرات واعتصامات ومواجهات ، وقدّمن التضحيات ، وشاركن في المهام ، والنشاطات التي تبنتها مؤسساتهن من أجل توسيع الانتفاضة ، وتعميقها .

أما نساء المخيمات والقرى فقد شاركن بنشاط فعال في التظاهرات الحاشدة والاجتماعات الشعبية كردة فعل مباشرة على الأحداث التي تقع في مواقع سكناهن ، ويمكن القول أن هؤلاء النسوة مثلن خط المواجهة المباشر والأساسي في مواجهة الاحتلال بصورة يومية(4) .

لقد كان دور الحركة النسوية في الانتفاضة متعدد المستويات ، تراوح بين الدور التنظيمي للجماهير النسائية المشاركة في المظاهرات والاعتصامات والحشد للمواجهات المختلفة ، إضافة إلى الدور الإغاثي والدعائي النشط ، لجلب مزيد من التأييد والدعم المحلي والإقليمي والدولي للشعب المنتفض بكل شرائحه(5) .

وعلى ما يبدو فإن هناك عاملين ساهما في إبراز دور المرأة وهما :

1- التجربة التنظيمية التي تشكلت من خلال عملية تأسيس حركة اللجان النسائية ، بناؤها ، وتطويرها منذ العام 1978 ، فقد صنعت هذه التجربة جيلاً من النساء قادراً على المشاركة في الحياة السياسية ، فالعمل السياسي والقيادي يتطلب مـن المــرأة

مهارات لا تكتسب من العزلة في نطاق البيت .

2- اعتقال سلطات الاحتلال لآلاف الرجال بشكل تعسفي مما أدى إلى حدوث فراغ في صفوف الكوادر والقيادة ، فقامت النساء بتعبئته مزودات بالمهارات المطلوبة والمكتسبة حديثاً(6) .

        وفي ذلك تقول الروائية سحر خليفة : "الانتفاضة بديناميتها كانت في أغلبها نسائية ، لأن الرجل إما في الجبال ، وإما في المعتقل ، .. وتزايدت هموم المرأة ، فشغل البيت ما زال من مهماتها ، وعليها أن تشتغل لتقوم بأود الأولاد ، وعليها أن تكون في الشارع باستمرار ، إما للعمل من أجل كسب القوت ، وإما للدفاع عن الرجل أو أخذ مواقعه"(7) .

        لقد فجرت الانتفاضة طاقات المرأة ، وأطلقت إبداعاتها من خلال مشاركتها في فعالياتها اليومية ، وانتقالها إلى مرحلة أنضجتها تلك التجربة ، بحيث أثبتت تواجدها ، واعتبرت مساهمتها قفزة نوعية في نضالها ، "مما يؤكد وعي المرأة للعلاقة الارتباطية بين قضيتها الخاصة والقضية الوطنية ، وهذا ما أدركته سلطات الاحتلال وواجهته بأبشع الوسائل اللاإنسانية"(8) .

        فخلال العام الأول من الانتفاضة فقط سقطت ثلاث وثمانون شهيدة في الأرض المحتلة ، وبحسب مركز حقوق الإنسان الفلسطيني للمعلومات فإن من بين كل سبعة أشخاص يُبلغ عن إصابتهم بأعيرة نارية ، أو نتيجة تعرضهم لضرب مبرح من قبل الجيش الإسرائيلي هناك إصابة نسائية ، وإن معظم النساء اللواتي أصبن الرصاص ، كن يحاولن إنقاذ حياة الأطفال أو الشباب المصابين ، أو الذين كانوا يتعرضون للضرب المبرح على يد الإسرائيليين(9) .

        أما حالات الإجهاض التي أصيب بها عدد كبير من النساء - إما بسبب الضرب على يد جنود الاحتلال ، أو بسبب الاختناقات بالغازات السامة ، أو نتيــجة

التعذيب في السجون ، أو نتيجة التأثر بسبب سقوط شهيد أو مصاب - فقد بلغت في الأشهر الثمانية الأولى للانتفاضة ألفاً وثمانمائة حالة ، في الوقت الذي اعتقلت فيه ألف امرأة فلسطينية في الفترة ذاتها(10) منهن من اعتقلن خلال المظاهرات الشعبية ، وأفرج عنهن بكفالة أو غرامة مالية ، ومنهن من تم تقديمهن للمحاكمة ، وحكم عليهن بأحكام تتراوح بين شهرين وأربعة شهور ، ومنهن من تم الحكم عليها بمدد تتراوح بين سنتين إلى مدى الحياة ، حيث تعيش المعتقلات في ظروف اعتقال صعبة ، وبدائية(11) .

        لقد لفت الدور الذي قامت به المرأة الفلسطينية في الانتفاضة نظر الصحفيين الأجانب الذي وصفوا المرأة الفلسطينية بأنها الوجه البارز والمميز فيما يحدث ، وأشاروا إلى تمتعها بقدر من الرقي والطموح والجرأة ، بل والحرية التي توصلت إليها إذ أجبرتها الظروف على أن تحول اهتمامها من حريتها الضيقة إلى معنى أكبر وأكثر شمولية ، إذ أصبحت تملك حرية التحدث والجرأة في الدفاع عن نفسها(12) .

        إن نظرة واقعية لدور المرأة في الانتفاضة تؤكد على أن انخراطها في النضال الوطني قد فتح الإمكانية لتعزيز مشاركتها السياسية ، مما ساهم في تدعيم مكانتها الاجتماعية حيث نشأت أعداد من المراكز المتخصصة التي طرحت قضايا المرأة الاجتماعية ، ودعت إلى نشر الثقافة ، والتوعية القانونية بين النساء خاصة ، والمجتمع عامة .

*    *    *

هـوامـش :

 

1-وحيد عبد المجيد ، مصدر سابق ، ص15 .

2-فايز سارة ، البنية الاجتماعية للانتفاضة الفلسطينية ، مجلة شؤون فلسطينية ، العدد 189 ، ديسمبر - كانون أول 1988 ، ص3-4 .

3- أحمد الديك ، مجتمع الانتفاضة ، دار الآداب ، بيروت ، ط1 ، 1993 ، ص127 .

4- ايلين كتاب ، مصدر سابق ، ص392 .

5-إصلاح جاد ، الحركة النسوية والانتفاضة ، صحيفة صوت النساء ، العدد 110 ، 7/12/2000 ، رام الله ، ص9 .

6- د.ريتا جقمان ، النساء الفلسطينيات في الانتفاضة بين التبعية إلى القيادة ، مجلة الفكر الديمقراطي،        العدد 9-10 ، 1989 ، نيقوسيا ، ص217 .

7- حوار مع سحر خليفة ، مجلة الدراسات الفلسطينية ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ، العدد 33 ، 1998 ، ص141 .

8- نجوى وصفي أبو زعنونة ، مصدر سابق ، ص97 .

9- للمزيد ينظر : الانتفاضة مبادرة شعبية ، مقال  : - بسمة أبو صوى ، مصدر سابق ، ص57-58 .

10- أسعد عبد الرحمن ونواف الزرو ، الانتفاضة مقدمات - و قائع - تفاعلات ، آفاق - ط1، مؤسسة الأبحاث العربية ، بيروت 1989 ، ص110 .

11- إيلين كتاب ، مصدر سابق ، ص394 .

12- مجلة البيادر السياسي ، العدد 335 ، القدس ، 21/1/1989 ، ص49 .


 

 

 

 

 

 


 

5- المرأة في عهد السلطة الوطنية الفلسطينية 1994 - 2000 :

 

أولاً : مشاركة المرأة في مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية :

        مع بدء المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في نوفمبر 1991 ، كان هناك تفاعل نسوي مع تلك العملية ، حيث تم تشكيل طاقم شؤون المرأة كواحد من الطواقم الفنية من أجل تعزيز مشاركة المرأة في وضع الخطط و البرامج الوطنية في المجالات المختلفة : (التعليم ، الصحة ، العمل ، الاقتصاد ، الزراعة ..... الخ.)(1) .

        ومع بداية تسلم السلطة الوطنية الفلسطينية مسؤولية إدارة مناطق في الضفة الغربية وقطاع غزة في مايو 1994 ، بدأت مرحلة إعادة هيكلة اللجان النسائية القائمة وتنظيمها ؛ إذ أدى الانخفاض في عوائد منظمة التحرير الفلسطينية ، وبالتالي فرض الدول المانحة لسياسات مالية مشددة جنباً إلى جنب مع الزيادة في النفقات العامة المترافقة مع عمليات بناء مؤسسات الدولة إلى إجبار مراكز اللجان النسوية - التي هي في الأصل مؤسسات شعبية غير حكومية- على إعادة تعريف نفسها ووظائفها ومهامها ومجالات نشاطها ، وأن تبرر اللجان مسألة عملها بشكل مقنع ، إضافة إلى البحث عن ترتيبات مالية بديلة لتعويض النقص المالي الحاصل(2) .

        لقد بذلت السلطة الوطنية من خلال مؤسساتها جهوداً هدفت إلى تحسين شروط دخول المرأة سوق العمل ، حيث تم إقرار مشروع قانون للعمل في المجلس التشريعي الذي أفرد فصلاً خاصاً لأحكام تنظيم عمل النساء ، كذلك تم إنجاز مسودات مشاريع الضمان الاجتماعي وقانون الصحة والسلامة المهنية ، كما عملت وزارتا الشؤون الاجتماعية والعمل على تطوير أقسام التدريب المهني الخاص بالنساء ، كما قامت الوزارات الأخرى من خلال دوائر المرأة فيها بتطوير كفاءة النساء العاملات سواء في القطاع الرسمي لجهة تطوير المهارات الإدارية أو القطاع غير الرسمي من خلال برامج الإرشاد والتوجيه لأجل حفز النساء على العمل في مشروعات إنتاجية صغيرة ، وخصوصاً العاملات الزراعيات ، كذلك ارتفعت معدلات الجهود المبذولة مـن قـبل

المنظمات غير الحكومية العاملة في النشاط الاجتماعي باتجاه تطوير برامجها التدريبية لرفع تأهيل كفاءة المرأة ، وتحسين مشاركتها في العمل ، إلا أن هناك مجموعة من العقبات التي تحول دون تحسين مشاركة المرأة في العمل منها :

1-استمرار إسرائيل في سياسات الحصار والإغلاق وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة ، وإعاقة حركة التجارة والصناعة والزراعة والاستيراد والتصدير ، وتحجيم القدرة الفلسطينية على إدارة مواردها المالية والطبيعية بشكل يتناسب مع الأهداف التنموية العامة .

2- عدم وجود سياسات اقتصادية واضحة في إطار السلطة الوطنية الفلسطينية ، مما أدى إلى غياب التنسيق بين القطاعات المعنية بوضع آلية لدمج النساء ، وتحويل إنتاجهن إلى شكل أكثر ملاءمة للسوق(3) .

3- النظرة النمطية للمرأة التي تؤدي إلى ضعف إقبال أصحاب العمل على تشغيلها ، بسبب التكلفة الإضافية المتمثلة في إجازات الوضع وطبيعة المرأة .

        ورغم هذه المعوقات الجدية "فإن الإحصائيات تشير إلى ازدياد مشاركة القوى العاملة النسوية في الضفة الغربية وقطاع غزة حيث وصلت إلى ثمانية وتسعين ألفاً ومائة (98100) عاملة في منتصف عام 1999 ، أي ما نسبته 14.7% من إجمالي القوى العاملة الفلسطينية ، وهذا الازدياد يعود إلى ارتفاع مساهمة الإناث في القطاع الحكومي خاصة في قطاعات الخدمة المدنية"(4) .

        وفي هذا المجال تلاحظ إحدى الباحثات : "أن التعيينات في عهد السلطة الفلسطينية قد جاءت في وزارات لها دور خدماتي يتناسب مع الأدوار النمطية للمرأة في المجتمع ، وهذا التقسيم الوظيفي له علاقة بالثقافة الاجتماعية السائدة باعتبار أن هنالك وظائف تناسب الذكور ، وأخرى تناسب الإناث"(5) .

        "وبنظرة إلى البيانات نلاحظ تركيز العمالة النسائية في عدد محدود من الأنشطة الاقتصادية مثل قطاع الخدمات : التعليم ، الصحة ، السكرتاريا ورعايـة الأطفال الذي

استوعب 41.7% في الضفة الغربية ، و 66.2% من العاملات في قطاع غزة ، وهذا التركيز يتوافق مع طبيعة تكوين المرأة الجسدي ، كما أنه يعكس مهارات النساء كأمهات وزوجات ومربيات أطفال وراعيات للعائلة"(6) .

        ولا تقتصر المشاركة النسائية في العمل الحكومي على قطاعات الخدمة المدنية بل امتدت أيضاً إلى قطاع الشرطة - رغم محدوديتها- حيث وصل عدد العاملات في الشرطة النسائية إلى ثلاثمائة وخمسين امرأة يمثلن 1% من إجمالي العاملات في الشرطة لعام 1997(7) .

        وإلى جانب هذه القطاعات تشغل الزراعة ما نسبته 34.1% من النساء العاملات في الضفة الغربية فيما يعمل 15.4% من النساء في قطاع الصناعة التحويلية -الملابس ، المنسوجات والإنتاج الغذائي البيتي- بينما لا تزيد نسبة العاملات في قطاع غزة في الصناعة التحويلية عن 10.3 % بالنسبة لعدد الذكور(8) .

        أي أن أعداداً كبيرة من نساء الضفة الغربية يعملن في قطاعات الخدمة والزراعة والصناعة ، بينما تتركز معظم أعداد النساء العاملات في قطاع غزة في أنشطة الخدمات ، وهذا الاختلاف يمكن تبريره باتساع القاعدة الزراعية في الضفة الغربية مقارنة بقطاع غزة ، كما يمكن تفسير قلة العاملات في قطاع غزة بحقيقة تفضيل أصحاب المشاغل لإعطاء الذكور أولوية الحصول على العمل بسبب النظرة النمطية للمرأة .

 

ثانياً : المرأة والتعليم :

             شاركت المرأة بفعالية في قطاع التعليم بمستوياته كافة إلى جنب الرجل فقد بلغ عدد المعلمات في رياض الأطفال والمدارس في مراحلها الأساسية والثانوية للعام 98/1999 (16.299) معلمة أي ما نسبته 54% من عدد المعلمين والمعلمات البالغ (30.162) يضاف إلى ذلك (1.421) مديرة روضة أو مدرسة أي ما نسبته 61.9% من عدد مديري المدارس ورياض الأطفال .     

           وبنظرة إلى بيانات كليات المجتمع المتوسطة نجد أن عدد أعضاء هيئات التدريس فيها بلغ (432) عضواً منهم (115) من الإناث أي ما نسبته 26.6% .

        أما بالنسبة لمجال العمل الأكاديمي فقد بلغ عدد العاملين في التدريس في الجامعات الفلسطينية في العام 1998/1999 (2791) عضو هيئة تدريس منهم(298) امرأة ، بنسبة 10.7% وهذه نسبة مقبولة إذا ما قيست بدول نامية كثيرة(9) .

        أما بخصوص التعليم الجامعي فإن الإحصائيات تؤكد على تزايد أعداد الإناث الملتحقات بجامعات الضفة والقطاع ، حيث ارتفعت نسبتهن إلى 44.9% من مجموع الطلاب ، الذين وصل عددهم إلى (60846) طالب وطالبة في العام 1998/1999 .

   أما بالنسبة لكليات المجتمع المتوسطة للعام نفسه بلغ مجموع المسجلين فيها (5936) طالباً وطالبة منهم 53.4% من الإناث تركزت غالبيتهن في تخصصات لها علاقة بالرعاية والاهتمام كالتربية والعلوم الإنسانية والدراسات التي لها علاقة بالصحة والعمل الاجتماعي(10) .

 

ثالثاً : مشاركة المرأة في الحياة السياسية :

لقد كانت الانتخابات الوطنية العامة التي أجريت في العام 1996 لرئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية ، وعضوية المجلس التشريعي مقياساً لكيفية ترجمة تراكمات أنشطة المرأة الفلسطينية إلى أعمال ملموسة على الصعيد السياسي ، حيث شاركت ثماني وعشرون مرشحة من بين ستمائة وأربعة وسبعين مرشحاً ، أي ما نسبته 4.15% بما في ذلك مرشحة لمنصب الرئاسة(11) .

وقد تم انتخاب خمس نائبات للمجلس التشريعي من بين ثمانية وثمانين نائباً أي

بنسبة 5.7%(12) . وهذه النسبة تعتبر إنجازاً جيداً للمرأة الفلسطينية مقارنة بالنِسب التي حصلت عليها النساء في البرلمانات الأخرى المشهود لها بالسبق ، والتمتع بالاستقرار "فالمرأة الأردنية - وهي أقرب امرأة لظروف المرأة الفلسطينية- حصلت على مقعد واحد ، وفي الكونغرس الأمريكي تشكل نسبة النساء 10% من المجموع الكلي للأعضاء ، وهي نسبة لا تعتبر كبيرة قياساً بقدم التجربة الأمريكية"(13) .

        ولعل عوامل كثيرة أدت إلى حصول المرأة الفلسطينية على تلك المقاعد ، منها:

1- ارتفاع المستوى التعليمي للنائبات ، حيث أن أربع نساء من الخمس اللواتي فزن بعضوية المجلس يحملن شهادات جامعية .

2- إصرار المرشحات من خلال دعايتهن الانتخابية على أنهن يمثلن الشعب كله دون التطرق إلى المسائل التي تهم المرأة بشكل خاص .

3- الرصيد النضالي والاجتماعي للمرشحات قبل وبعد تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية .

4- الاستناد إلى الدعم الحزبي من أجل تأمين قاعدة شعبية أوسع(14) .

ولدى تقييم وضع المرأة في ظل السلطة الوطنية بالنسبة لمشاركتها في اتخاذ القرار وقدرتها على التحكم في المصادر ، ورسم السياسات نلاحظ حضوراً نسائياً في الأجهزة التمثيلية للسلطة ، فبالإضافة إلى عضوات المجلس التشريعي الخمس ترأست امرأتان وزارتين من خمس وعشرين وزارة حتى عام 1997(15) ، واعتباراً من نهاية العام 1996 شكلت النساء نسبة 7.5% من أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني البالغ عددهم 744 عضواً ، كما توجد نسبة معقولة من النساء اللاتي يعملن كمساعدات وكيل

وزارة أو على درجة مدير عام في وزارات السلطة الوطنية(16) .

        لقد وفرت السلطة الفلسطينية الفرص للمرأة كي تساهم في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية ، وعملت على إزالة قيود تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع ، فاحتلت في ضوء ذلك مواقع جديدة على الأصعدة السياسية والاجتماعية والإدارية والعلمية ، غير أن هذا لا يمنع من مواصلة الجهد لتحقيق الوضع الأفضل للمرأة الفلسطينية ، والاستفادة من مشاركتها إلى أبعد حد في بناء المجتمع وتحقيق التنمية .

 

*    *    *

هـوامش :

 

1-زهيرة كمال ، المرأة وعملية اتخاذ القرار في فلسطين ، مجلة شؤون تنموية ، منشورات جمعية الملتقى الفكري العربي ، المجلد السابع ، العددان 3،4، القدس ، 1998 ، ص50 .

2-المرأة والرجل في فلسطين : اتجاهات وإحصاءات ، دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية ، رام الله، ديسمبر 1998 ، ص164 .

3- المرأة الفلسطينية بين الواقع والطموح ، مقال : زينب الغنيمي ، المرأة والعمل ، مركز شؤون المرأة ،    غزة ، 2000 ، ص17-21 .

4-التقرير الاقتصادي الفلسطيني1994-1999، الهيئة العامة للاستعلامات، فلسطين، فبراير 2001 ، ص93 .

5- زهيرة كمال ، المرأة وعملية اتخاذ القرار في فلسطين ، مصدر سابق ، ص51 .

6- المرأة والرجل في فلسطين : اتجاهات وإحصاءات ، مصدر سابق ، ص128 .

7- المؤتمر الدولي للتشغيل في فلسطين ، ورقة عمل : د.غانية ملحيس ، القطاع الحكومي الفلسطيني واقعه مشكلاته ، وزارة العمل ، المجلد الأول ، رام الله ، مايو 1998 ، ص190 .

8- المرأة والرجل في فلسطين ، مصدر سابق ، ص128 .

9- حتى العام 98/1999 وجدت في الضفة الغربية وقطاع غزة ثماني جامعات رسمية وأربع كليات جامعية تمنح درجة البكالوريوس منها : جامعتان ، وكلية جامعية واحدة في قطاع غزة ، وست جامعات وثلاث كليات جامعية في الضفة الغربية ، أما كليات المجتمع المتوسط فبلغ عددها 17 كلية منها أربع عشرة في الضفة الغربية وثلاث كليات في قطاع غزة .

للمزيد ينظر : - الكتاب الإحصائي التربوي السنـوي 1998/1999 (رقم 5) دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية ، وزارة التربية والتعليم ، رام الله ، إبريل 99 ، ص23-25 .

10- تقرير التنمية البشرية 98-99 جامعة بيرزيت ، برنامج دراسات التنمية ، سبتمبر 1999 ، ص34.

11- هي السيدة سميحة خليل وقد حصلت على 12% من الأصوات ، وهي ترأس جمعية انعاش الأسرة في البيرة التي تقدم خدمات اجتماعية وثقافية .

12- د.نادر عزت سعيد ونوران نصيف ، المرأة الفلسطينية والتنمية ، سلسلة التخطيط من أجل التنمية، العدد الثالث ، رام الله ، 1998 ، ص26 .

13- نجوى وصفي أبو زعنونة ، مصدر سابق ،  ص102 .

14- بلغت نسبة المرشحات المستقلات 64% مقابل 75% من المرشحين الذكور لانتخابات المجلس التشريعي ويشير هذا إلى الإناث يملن أكثر من الرجال للحصول على دعم الحزب حيث تضع العادات الاجتماعية صعوبات أكبر أمام النساء في الوصول إلى الناخبين الرجال أو في بناء التحالفات العائلية والحزبية .

ينظر : المرأة والرجل في فلسطين : اتجاهات وإحصاءات ، مصدر سابق ، ص167-168 .

15- هما : حنان عشراوي ، وانتصار الوزير ، وأشرفتا على حقيبتي التعليم العالي ، والشؤون الاجتماعية .

16ـ تشير البيانات إلى أن النساء يشكلن 5% من أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح (أكبر الأحزاب) مقابل 33% في المجلس الثوري ، و40% في اللجنة الحركية العليا ، ورغم معقولية هذه المشاركة قياساً بالواقع الاجتماعي إلا أنها تدل على أن عدد النساء يتناقص في المستوى الأعلى للسلطة . كما تشير البيانات أن امرأة واحدة تحتل منصب وكيل مساعد ، و 30 امرأة في منصب مدير عام من بين 240 مديرا عاماً أي مانسبته 12% ، فيما تبلغ نسبة النساء في المواقع الوسطى 15% من المديرين ، و 35 % من رؤساء الأقسام . 

للمزيد ينظر : ـ المرأة والرجل في فلسطين : اتجاهات وإحصاءات ، ص170-171 .

                 ـ صحيفة صوت النساء ـ رام الله ـ العدد 176 ، ص 3 .

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

 



 

        نحاول في هذا الفصل التعرف على القضايا التي شكلت هاجس المرأة وهمَّها، كما رصدتها الرواية الفلسطينية الصادرة في الشتات قبل انتفاضة 1987 ، ومن هذه القضايا :

أولاً : التعليم :

 

            في الوقت الذي تراكمت فيه بعض التقاليد التي كانت ترى أن بيت العائلة -الأب أو الزوج- هو عالم المرأة الذي لا تخرج منه إلا لمشاركة الأسرة في تأمين احتياجاتها من خلال فلاحة الأرض وزراعتها ، فقد بدأ مفهوم تعليم المرأة يكتسب قيمة اجتماعية في فلسطين منذ بدايات القرن العشرين - كما عرضنا في الفصل الأول- حيث وجدنا صدى ذلك في قصائد تلك المرحلة التي حثت على تعليم الفتاة وتهذيبها إذا ما أردنا الالتحاق بركب المجد ، وقد انعكس ذلك الاهتمام في تزايد نسبة الفتيات الملتحقات بالمدارس ودور المعلمات في فلسطين ، وما نتج عنه من آثار إيجابية انعكست على المرأة وأسرتها ، فتعليم المرأة ، يبقى المدخل الطبيعي لإسهامها في تنمية مجتمعها .

        لقد ألقى انهيار الأساس المادي للمجتمع الفلسطيني بعد نكبة 1948 ، بثقله على الأسرة الفلسطينية ، وأجبرها على التكيف مع الوضع الجديد ، ففقدان وسائل الإنتاج ، وتشتت العائلة ساهم في تردي الحالة الاقتصادية للأسرة الفلسطينية ، الأمر الذي اضطرها للبحث عن وسائل إنتاجية غير مشروطة بأن يلعب رب الأسرة الدور الأساسي فيها ، فالعامل الموسمي الذي كان يعول أسرته في فلسطين أصبح بعد النكبة والتشريد غير قادر على الإنفاق على أسرته ، مما نجم عنه تغيير في طبيعة الأدوار داخل الأسرة ، حيث أصبح لزاماً على الأبناء ذكوراً وإناثاً ، أن يشاركوا في توفير متطلبات الحياة ، وإنقاذ الأسرة من الفقر والجوع والمرض ، في الوقت الذي فيه أدى فقدان الأرض كوسيلة إنتاج - كانت تجمع أفراد الأسرة من رجال ونساء وأطفال للعمل فيها- إلى تضييق فرص العمل أمام المرأة ، وإحجام العديد من الأسر عن إرسال بناتها للعمل في مجالات يعتقدون أنها لا تتلاءم وطبيعة المرأة أو التقاليد ، الأمر الذي دفع الأسر إلى إلحاق بناتها فضلاً عن أبنائها بالمدارس التي باتت تشكل لها المخرج المأمول من الأزمة الاقتصادية الخانقة .

  "من هنا وجدنا نسبة كبيرة من الفتيات اللاتي أكملن تحصيلهن العلمي ؛ لأن الحصول على شهادة علمية أصبح هو المدخل للحصول على وظيفة جديدة ودخل جيد"(1) لذا تضاعف عدد المنتسبات للجامعات ، كما أن مئات من الفتيات أنهين دورات تمريض وخدمات عامة في العديد من البلدان ، وأصبحت ظاهرة افتتاح المشاغل ودور تعليم الحرف ومحو الأمية ظاهرة عامة في أماكن تجمعات الفلسطينيين إلى جانب نشاطات الفتاة في السياسة وفي الكفاح المسلح(2) .

        هذا التغيير في نمط العلاقات داخل الأسرة الفلسطينية ودخولها معترك الحياة كعضو منتج ، أفرز ظواهر عديدة ، انعكست آثارها على الرواية الفلسطينية .

ففي رواية (عكا والرحيل) يقرر الوجيه فارس الصالح - الذي كانت له سمعة ترهب كل حريم العائلة- تسجيل ابنته (خديجة) التي ولدت في العقد الأول من القرن العشرين في المدرسة الإنجيلية بعكا ، ليس حباً في تعليم الفتاة ، وإنما مجاراة لموضة أرستقراطية جديدة تمثلت في قيام حفنة من العائلات العكاوية البارزة بإرسال بناتها إلى المدارس ، وآل الصالح ليسوا بأقل كرامة من تلك العوائل . "كانت خديجة في السابعة من عمرها عندما اتخذ فارس الصالح ذلك القرار المثير والمستهجن بتسجيلها في المدرسة الإنجيلية ، وقد ازدادت أهمية هذا الحدث لوقوعه في عز ما عُرف باسم الثورة العربية الكبرى في وقت كان فيه العكاويون لا يفكرون بأكثر من تدبير لقمة خبزهم ، والاستقرار في الحياة ... ولم تخيب خديجة أمل أبيها فيها ، تفوقت منذ صفها الأول إلى أن حصلت على المتريك بامتياز ، بل بادرت إلى تدريس شقيقتيها ليلى وسعاد ، ساعدتهما على فك الحرف ، وعلى تعلم قراءة اللافتات التي ستصير في لاحق الأيام أحد المظاهر التقليدية في عكا"(3) .

ومع ذلك ، تبرز نظرة بعض الأهل غير الراضية عن تعليم البنات ، حيث يسود الخوف من نتائج ذلك التعليم ، فها هي (ازدهار) عمة خديجة تنكر على شقيقها (فارس) سماحه لابنته (خديجة) الخروج إلى المدرسة ، خشية أن يوفر ذلك لها ظروف

الالتقاء بالجنس الآخر .

        "هل خرف فارس الصالح ولم يعد يستطع أن يحكم مملكته الصغيرة ، ويحافظ عليها من الانهيار ؟ يجوز ، قد صار في الخامسة والستين وهي سن حرجة بالتأكيد ! البنت لا تزال أصغر من أن تفهم أصول وتعقيدات الحياة ، وأن تدرك النتائج التي يمكن أن تؤدي إليها نزواتها ونزوات أبيها ، المدرسة ، اتحاد المرأة ثم السفور ، والله يعلم ماذا أيضاً ؟ أحقاً لا يستطيع ، أو أنه لا يريد أن يضع حداً لطلباتها ، وأن يفهمها أنها بنت لا أكثر ولا أقل ، كل ما يجب أن تفكر فيه ، وتتطلع إليه هو الزوج والأسرة والخلف الصالح"(4) .

        ورغم هذه النظرة الضيقة ، فإن ذلك لا يعني عدم العثور في الرواية الفلسطينية على نماذج لفتيات نذرن أنفسهن لخدمة شعبهن دون أن يتراجعن عما آمن به .

        ففي رواية (برقوق نيسان) لغسان كنفاني ، نطالع صورة إيجابية للفتاة المثقفة (سعاد الوقاد) التي أرسلها والدها الموظف في دائرة النفوس في نابلس إلى جامعة دمشق عام 1962 ، حيث درست هناك لمدة سنة في كلية الآداب ، ثم التحقت بقسم العلوم السياسية ، وهناك أبدت رغبة في دراسة المسائل التنظيمية في العمل السياسي ، وبسبب قدراتها التي أظهرتها في الاتصال والعمل ، وصلت إلى مرتبة قيادية في نابلس بعد حرب 1967(5) .

        في رواية (العشاق) نقع على شخصية (ندى) الفتاة التي استطاعت أن تكمل تعليمها ، رغم قسوة الظروف ؛ لتعمل معلمة في مدرسة بنات المخيم في منطقة أريحا، لتقف إلى جوار أبيها ، تسانده في تحمل مشاق الحياة ، خاصة بعد صدمته بوفاة أمها ، وعندما يكلفها خطيبها (محمود) بنقل رسالة إلى القيادة في عَمَّان حول وضع المقاومة في الداخل وماهية الأمور المطلوبة ، لا تتردد في إنجاز المهمة(6) .

        وفي رواية (وإن طال السفر) تطالعنا شخصية (سعاد) التي أصبحت بفضل شهادتها العلمية معلمة فـي مدرسة بنات خانيونس ، تعيل أسرتها ، وتبث الوعي فـي

نفوس تلميذاتها محرضة على مقاومة المحتلين(7) .

        في رواية (النهر الغريق) نتتبع شخصية (سلمى) الفتاة التي استشهد أبوها وهي في الرابعة من عمرها عام 1955 في اعتداء إسرائيلي على بلدة (قلقيلية) ولكن بفضل تشجيع أمها وكدحها ، تكمل دراستها الثانوية ، يملؤها الأمل في طرق أبواب الجامعة وإكمال مسيرتها التعليمية رغم ضيق ذات اليد ، لذا نجدها تراسل أخاها (صالح) الذي لم يخبر أسرته بتركه دراسة الطب في أسبانيا ، والتحاقه بالفدائيين في الأغوار : "...في السنة القادمة ، سأدخل الجامعة إن شاء الله ، إنني واثقة من أن علاماتي ستؤهلني دخول أية كلية في الجامعة ، لا تؤاخذني على الغرور ، ولكنني كنت أتمنى لو ألتحق بجامعة مدريد ، أمي تقول أنها لا تستطيع تعليمنا في الجامعة نحن الاثنين ، ولذلك فعليَّ الانتظار حتى تتخرج أنت . أرجو أن يكون ذلك سريعاً لأنك أنت الذي سيصرف عليَّ، أمي تصر على أن أكتب لك أن العم أبو خالد عواد زميلك في الجامعة يزورنا كثيراً ، وقد وعدني أن أحصل على بعثة لإكمال الدراسة"(8) .

        وعندما تكتشف (سلمى) أن (صالحا)ً يقود إحدى مجموعات الفدائيين المختفية في إحدى مغارات بلدتهم (طوباس) ، تقوم بتغطيتهم ، وتوفير مجال الحماية لهم .

        في رواية (البكاء على صدر الحبيب) نتتبع شخصية الفتاة المتعلمة (فجر) التي تقرر أن ترسل جزءاً من مرتبها في الثورة لأسرتها التي تعاني العوز والحاجة ، خاصة بعد اعتقال شقيقها الكبير عبد السلام : "لقد حصلت على مخصصاتي عن الأشهر السابقة ، سوف أستغني عن قسم من هذا المبلغ للأسرة ، كل اخوتي في المدارس ، ويحتاجون لمصاريف باهظة"(9) .

        في رواية (بوصلة من أجل عباد الشمس) يلاحق الفصل من العمل الفتاة (شهد الصمدي) معلمة اللغة الإنجليزية في مدارس عدة - حكومية ، أهلية ، وكالة غوث- في الأردن بسبب تمسكها بمبادئها ، ومحاولاتها بذر الوعي في عيون طالباتها ، ورفضها بعناد مساومات رجال المخابرات الذين يطالبونها بالإدلاء عن أية معلومات

حول عملها مع الفدائيين ، موقنة أن هدفهم قتلها معنوياً ، بحيث يثير عنادها حفيظة أمها التي ترميها بحكمة متوارثة تتعامل بريبة مع تعليم البنت : "تعليم البنت خسارة وعزارة ، فلولا دراسة (شهد) في المعهد ، لما أصبحت الآن برأس يفلق الصخر"(10) .

        بل أن هناك من يعتبر تعلم المرأة في الكبر أمر معيب ، فجنان المثقفة خريجة معهد المعلمات ، التي تحاول أن تدفع الجهل والتخلف عن مجتمعها ، تصطدم بكثير من المعوقات الاجتماعية ، التي تحاصر طموحها في أثناء محاولاتها إقناع نسوة مخيم البقعة في الأردن بالالتحاق بالتعليم في المركز النسائي ، حيث ما زال قسم من المجتمع ينظر بتحفظ إلى قضية تعليم المرأة ، كما في حديث (جنان) مع إحدى نساء المخيم : "-يا خالة، الأولاد كبروا ، وأنت تودين بلا شك أن تتعلمي كتابة أسماء أولادك ، ومساعدتهم في دروسهم .

- أنا يا بنتي ، أفك الحرف ؟

- وماله يا خالة ، الآن تغيرت الأحوال قليلاً ، كبر الأولاد ، والمسؤوليات أصبحت أخف عن ذي قبل .

- كله كوم وهذا كوم . ماذا تقول الجارات يا بنتي "بعد ما شاب ودوه على الكتاب؟" لا يا بنتي ، وما نفع هالكلام كله بعد ما مضى هالعمر ؟ ثم ألمحت بحسرة وضيق عن خناقة أم خالد مع ابنها الكبير ، عندما شاهدها ذاهبة إلى المركز حاملة ورقة وقلماً"(11)

* * *

        مما تقدم نخلص إلى أن الروائيين الفلسطينيين قد شغلوا بقضية تعليم المرأة ، حيث حددوا مواقفهم منها التي تمثلت في تأييد خروج الفتاة للتعلم والتعليم ، وإن اختلفوا في الوسائل والأسباب تبعاً للمرحلة التاريخية ، والواقع الاجتماعي المعيش .

        فبعض أبطال رواياتهم كان يقصد من تعليم المرأة المباهاة ، والتفاخر ومجاراة الموضة ، في حين برزت نظرة آخرين - بما فيهم المرأة نفسها- تعاملت مع قضية تعليم المرأة بتخوف وتوجس ، حيث اعتبروا ذلك أمراً معيباً يتعارض مع الموروث الاجتماعي ، الذي يحسب أن خروج المرأة للتعلم لا يجلب لها سوى الخسران ، فــي 

الوقت الذي رأينا فيه شخوصاً نسائية أصرت على إكمال مسيرتها التعليمية ، مما أكسبها إمكانية الاعتماد على نفسها والثقة بقدراتها ، فكان لها شأنها في تحقيق ذاتها ، وخدمة أسرتها ، والتأثير في مجتمعها ومحيطها .


 

ثانياً : التــحرر :

            تعرضت الرواية الفلسطينية إلى مفهوم حرية المرأة من خلال بعض النماذج النسائية التي خلطت بين التحرر بمفهومه الإيجابي الذي يكسب المرأة القدرة على المشاركة في أوجه الحياة المختلفة ، وإدارة أمورها الخاصة باستقلالية ، دون أن يتعارض ذلك مع القيم الاجتماعية والمثل الأخلاقية ، والتحرر بمفهومه السلبي الذي يعني الانحلال والسقوط في مستنقع الرذيلة ، دون أية ضوابط بدعاوي القهر أو الاستلاب أو الخواء العاطفي ، مما أدى إلى انزلاق بعض النماذج النسائية وانسلاخها عن واقعها المعيش .

                ففي (البكاء على صدر الحبيب) تضع (فجر) إصبعها على الجرح ، عندما تسأل صديقتها (هناء) التي اختطت طريقها ، مستعينة بجسدها الذي مرغته في أحضان الكثيرين من منطلق إثبات أنها حرة : "لماذا لا تستقرين ؟ هل التحرر يعني الانحلال؟"(12) .

يهز السؤال (هناء) التي أهدرت إنسانيتها ، لتعترف بمرارة أنها قد سقطت ، وانتهت وأن مفهومها للحرية كان زائفاً . "إنني أشبه ما أكون بمومس ، لقد منحت جسدي للكثيرين ، أنا لا أصلح أن أكون زوجة لأيما رجل مهما كانت قيمته ، كنت أريد دائماً أن أؤكد أنني امرأة ، وأنني حرة"(13) .

تلجأ (هناء) إلى الانتحار ، تخلصاً من ضياعها النفسي - الجنسي الذي حوَّلها إلى صيد متاح لكثيرين ممن يتوارون خلف شعارات الطهر والعفة والثورة ، ولكن محاولتها تبوء بالفشل ، لتتنامى في داخلها الرغبة في إنقاذ كرامتها . "أريد أن أتطهر يا فجر ، لقد تركت العمل في المجلة ، هناك رفاق طيبون بينهم ، ولكن ما عدت أقدر، يجب أن أتطهر لأستعيد احترامي"(14) .

من هنا كان افتتانها بالمقاتل (غالي) الذي عاد بعد سفر ظنَّ أنه سيريحه من تسلط الجبناء والمزورين ، لكنه لم يجد في غربته سوى الساقطات والعاهرات ، لذا كان يجب عليه أن يتجاوز عن خطيئة (هناء) ، فكلاهما قد انـزلقا ، كلاهمـا تلوثـا


 

بالرذيلة ، وكلاهما يبحثان عن خلاص يعيد لهما التوازن والثبات ، فكان الحب الذي ربط بينهما هو المطهر لما علق في نفسيهما من أدران ، ليحملا السلاح دفاعاً عن المخيم معاً ، يسقطا معاً في حالة أقرب إلى الانتحار ، وكأن الموت هو المخرج الوحيد المتاح لهما .

        في رواية (صراخ في ليل طويل) تعتقد (سمية) أن تمردها الفردي هو الذي يمنحها التميز في المجتمع ، بحيث تبدو تصرفاتها غير منطقية وغير مبررة ، إذ تذهب إلى منزل (أمين) دون أن يعرض عليها ذلك ، ليعد لها حماماً حاراً ، ويلبسها بعض ملابسه ، وبعد ذلك نجدها تلح عليه أن يطلب يدها من أبيها لثقتها في أنه لا يرد طلباً لمدللته ، غير أن الأبوين يرفضان الأمر معتبرين الموافقة عليه عاراً، لكن (سمية) لا تأبه بموقفهما ، لتحزم بعض ثيابها ، خارجة مع (أمين) دون أدنى حساب لأهلها(15) ، وبعد فترة قصيرة من زواجهما ، تهجر (سمية) بيت الزوجية فجأة تاركة رسالة تبلغ فيها زوجها أنها قد تركته من تلقاء نفسها ، بحيث لا يعلم الزوج أين ذهبت ؟ ولماذا ؟ ومع من خانته "وهل تهجرني لولا عشيق كتمت أمره عني"(16) ، لتعود ثانية ، بعد هروبها سنتين كاملتين عاشهما (أمين) هائماً متخبطاً ، إذ يجدها جالسة في فراشه شبه عارية ، لتعلمه أنها ما زالت تحبه ، وأنها لن تتركه ثانية(17) .

        إن مثل هذه التصرفات المنفلتة في وقت مبكر(18) تؤكد أن (سمية) ليست فتاة فلسطينية ، ولا عربية "إنما هي فتاة قد تكون مأخوذة من القصص الغربي الذي قرأ (جبرا) الكثير منه .. خاصة أنه قضى فترة من حياته يدرس في لندن ثم الولايات المتحدة خارج إطار مجتمعه ونظمه .. لذا من غير المبرر اعتبار (سمية) امرأة فلسطينية إذا تجاوزنا الأطر الاجتماعية ، ولم نأخذ بعين الاعتبار العادات والتقاليد ، فالمؤلف يرى المرأة الفلسطينية قد أصبحت على مستوى كبير من التحرر ، خاصة فيما يتعلق بعلاقتها بالرجل ، إذ يشبه إلى حد كبير وضع المرأة الغربية ، وهو أمر يصعب قبوله"(19) .

        وفي الرواية نفسها نتتبع (ركزان) نموذج المرأة الشهوانية العانس التي تعدت الأربعين من عمرها ، معتقدة من خلال إقدامها على حرق أوراق أسرتها بعد وفاة أختها أنها تنتقم بذلك لمجمل الإحباطات والاستلابات التي كبلتها بقيود أسلافها الموبوءة(20) ، كما في حديثها مع (أمين) : "ما أريده الآن هو الحاضر ، أريده حياً طليقاً، ألا تظنني تقدمت في السن يا أمين ؟ ليس ما تراه على وجهي سوى ظلال الشيخوخة التي تشكلها عليه هذه الجدران العتيقة المتآكلة ، إنني أريد أن أخلص من كل هذا الذي حولي ، وفي نفسي من فورة الحياة ما يكفي لعشرة نساء .. ليس لي على الأكثر إلا عشرون سنة أخرى للحياة ، وسأحياها كما أشتهي أنا ، لا كما تُسيرني مشيئة هؤلاء الأوغاد وهم تراب في القبور .. يجب أن نقضي على بقايا الموتى قبل كل شيء ، فإذا تزوجتني أريد أن أشعر بأنني امرأة جديدة ، أو كما يقول الشعراء عنقاء تنطلق من رماد ماضيها"(21) ، غير أن (أمين) يصدها طالباً منها أن تبحث وحدها عن الحياة الجديدة التي تعتقدها ، فهو غير قادر على الدخول في حالة أخرى من التخبط والضياع، تلك الحالة التي لم تغادره منذ هروب زوجته .

        في رواية (بوصلة من أجل الشمس) نطالع طالبة المعهد ذات الأنثوية الجامحة (جنان) الراغبة في تجاوز وصاية المجتمع نحو تأسيس مفاهيم جديدة ، لذا نجدها ترفض القوانين التي تحد من قدراتها ، وتعامل الجميع بطلاقة دون حذر أو حرص رغم علمها بانتقاداتهم ، حيث يعتبرون تصرفاتها خرقاء متطرفة ، لكنها لا تأبه بذلك متناسية أن ما تطالب به من تحرر مرهون بتحرر المجتمع كله بجنسيه من موروثات أصبحت هي القانون السائد ، كما في حديث مدير المعهد معها : "نحن في مجتمع متخلف نطمح فيه لجذب أكثر ما يمكن من الفتيات إلى معهدنا ، فكري في تطرف البنات المتحررات اللواتي ينسين أية سمعة سوف تطلق على المعهد"(22) ، لكنها لا تلقى بالاً لنصائح المدير حيث اختطت لنفسها - وهي ابنة العامل البسيط- التعامل مع مستقبلها بطريقة تؤكد من خلالها انعتاقها بمعزل عن نصح الآخرين أو تهديدهم ، بحيث لا تشكل ردة فعل الآخرين أية قيمة ، فعندما تسألها الصحفيـة الأجنبية وسـط

لفيف من الطلبة والطالبات "هل تهتمين بالعذرية ؟ كان جوابها صاعقاً لا ، إنها لا تهمني"(23) .

        ولعل هذا التطرف يؤكد على أزمة مفهوم الحرية الفردية الذي اقتبس سلوك الغرب في العلاقة بين الجنسين ، دون التمييز بين طيبه وخبيثه ، فرغم الأحاديث الكثيرة التي تدور حول (جنان) عن التقدمية ، ومجتمع الثورة الجديد ، وتحرير المرأة تظل النظرة التقليدية المتوارثة التي لا ترى فيها إلا الأنثى العابثة في مجتمع ما زال يحافظ على جذوره وقيمه ، كما في حديث جنان : "الجميع يتحدثون عن الثورة ، وعن تحرير المرأة ، وعن انقلاب الموازين الطبقية في المجتمع القادم ، وأنا مثل الجميع أؤمن بما يطرحونه وأناقش الأفكار المنطقية ، ثم بدأت النظرات تبني حاجزاً بلورياً ، أعجز من أن يتبينه الحدس المباشر ، وارتعشت التماعة الشهوة على شفاه جدية عديدة، ومججت نظرات رفاقي ورفيقاتي حين شابهت تقطيبات أساتذتنا العجائز ، ليس التحرر إن زاد عن حده مقنعاً ، يقولون : تصادق علناً ولا تخاف أو تستحي"(24) .

        أما (شهد) في الرواية نفسها فتتعرض لموقف مشابه ، فقد سحرت بمدرسها في المعهد (ماجد) الذي يشكل بالنسبة لها مثال المثقف ، العصري الذكي ، لتلبي بطيبة وحسن طوية ، دعوته لزيارة بيته ، لتكشف خديعتها بمدرسها الذي تنحصر نظرته إليها في إطار الرغبة والشهوة ، فهو يحب المتحررات المجربات ، المنفتحات على الجميع ، اللواتي ينسجمن مع أية نوعية من الناس يقابلنها ، ويعرف نكهتهن الحريفة ، ليشدها إلى صدره ، مما يصيبها بصدمة تهزها ، وتحولها إلى صرخات متتابعة مختنقة، أعقبت فكاكها من يديه وفرارها محملة بالخيبة(25) .

        في (وإن طال السفر) تجسد (ليلى) أزمة الحرية الفردية للمرأة في علاقتها بالرجل حيث تنتقل من حضن لآخر بحثاً عن الجنس الذي يمثل هدفاً بالنسبة لها ، فبعد سفر عشيقها (فتحي) لتأدية امتحانات الجامعة في مصر تقيم علاقات جنسية مع زميله (عمر) غير أن الاثنين لا يريان فيها سوى وعاء للجنس ، كما في حديث فتحي مـع نفسه: "الحرمان الجنسي قاسي ، ويرهقني ، ويلـح عليَّ كثيراً ، ليلــى صديقتــي

اليافعة كانت تخفف عني الكثير ، أين هي الآن ، وماذا تفعل ، بالتأكيد عمر ينام معها هناك"(26) .

        في رواية (عكا والرحيل) نتتبع (خديجة) التي تفردت بالإقدام على أكثر من خبطة اجتماعية مستثمرة تساهل أبيها الذي أدخلها في وقت مبكر من القرن العشرين في مدرسة البنات الإنجيلية مجاراة لموضة سرت في ذلك الوقت بين العائلات الأرستقراطية ، في محاولة منه ترسيخ أقدامه بين أكابر القوم ، لتقدم خديجة على خبطتها الثانية ، المتمثلة في خلع الملاءة والأسفار عن وجهها ، مكتفية بحجاب شرعي لم تهتم أبداً أن يخفي أذنيها وعنقها وكل شعرها - رغم استنكار عماتها وشقيقاتها- لتشارك في أول اجتماع نسائي بصفتها عضواً جديداً في اتحاد المرأة عام 1925 .

        وعندما يحاول أبوها إجبارها على الزواج من شخص لا تريده ، تقدم على خبطتها الثالثة بالهروب من البيت لمدة ثلاثة أيام بلياليها ، متحدية الأعراف الاجتماعية السائدة ، وعندما رجعت قبلت بالزواج من (أحمد النجار) لتحتمي به من عيون الناس ، بالرغم من الفارق الطبقي والمادي الكبير بينهما ، ومع ذلك لم يصفُ لها الأب ، ولم يسمح لها أن تدافع عن نفسها ، ليستمر في تجاهلها باقي حياته(27) .

        ومع أنها أغرقت نفسها بعد ذلك في واجباتها الأسرية ملتزمة بالمفهوم الشرقي للمرأة المصون ، المحترمة ، المحتشمة ، التي تعيش تحت كنف زوجها ، فإن خبطة فرارها من البيت لا تمحي من ذاكرة المجتمع ، حيث استغلت منافساتها على منصب رئاسة فرع الاتحاد بعكا تلك الحادثة بصورة بشعة حتى بعد مرور اثني عشر عاماً عليها ، مما يضطرها إلى الانسحاب ، والانكفاء على نفسها ، لتكتشف أن مبادراتها عبر سنين طويلة قضتها في البحث عن التميز ، وتحقيق الشخصية المستقلة ، قد مرغت اسمها ، وشوهت سمعتها ، وقادتها إلى الاغتراب الداخلي ، فلا تملك سوى الاستسلام لسطوة قوانين المجتمع .

* * *

        مما تقدم يُلاحظ أن قضية تحرر المرأة قد احتلت حيزاً لا بأس به في الروايات الفلسطينية موضع الدراسة ، حيث خلطت بعض الشخصيات النسائية بيــن التـحرربمعناه الإيجابي الذي يعني صقل الذات بالإرادة والمعرفة والممارسة الاجتماعية الواعية الواثقة ، والتحرر بمعناه السلبي الذي يعني السقوط والانحلال وتجاوز أخلاقيات المجتمع ، مما أدى إلى ضياع كثير من تلك الشخصيات التي بدت بتصرفاتها المنفلتة ، غير المنطقية ، كأنها مقحمة على المجتمع الفلسطيني ، حيث لا تزال تسود جملة من التقاليد المتوارثة التي لا تخفي ازدراءها من المرأة العابثة ، الخارجة عن الضوابط ، مما يدفع أغلب تلك الشخصيات إلى البحث عن خلاص ينتشلهن من حالة التخبط والضياع والاغتراب بعد أن اكتشفن - ولو متأخراً- أنهن كنَّ أسيرات وهم شاركت في صنعه بعض النماذج الذكورية التي تخفي الخديعة خلف شعار تحرير المرأة الذي ترفعه ، بحيث جاء رصد الرواية الفلسطينية لتلك النماذج - الأنثوية والذكورية- هادفاً إلى كشفها ، وتخطيها ، والاستفادة من دلالاتها .


 

ثالثاً : الحــب :

 

رصدت الرواية الفلسطينية العلاقة التي تنشأ بين المرأة والرجل - سواء في نطاق الأسرة أو خارجها - بكل ما يتفرع عنها من قضايا العشق ، الوعد بالزواج ، الزواج ، الطلاق ، العنوسة .

ولعل أسس قيام تلك العلاقة متعددة يأتي الحب في المرتبة الأولى منها ، وهو التقبل المشترك بين الطرفين ، أو لنقل هو التبادل الروحي بين الاثنين ، "فلا شئ يمكن أن يجعل الإنسان يشعر بالروعة أكثر من معرفته بأنه مرغوب فيه من إنسان آخر ، وهذا في أكثر من ناحية هو قلب الحب ، وروحه النقي ، وهو توق إنساني سوي فالحياة لا يمكن أن تكون كاملة ومترابطة إذا افتقدت الحب ، ذلك أن الحياة بلا حب عزلة وجدب ، يعوزها الدفء والثراء والطعم والمدلول الحقيقي"(28) .

ولكي يحقق الروائي الفلسطيني التوازن بين الحياة العادية للإنسان الفلسطيني بما فيها من آمال وآلام وتطلعات من جهة ، والمآسي التي يخلفها الصراع مع عدو أدمن ارتكاب المجازر منذ عشرات السنين من جهة أخرى ، لجأ إلى الإعلاء من شأن الحب، والعواطف النبيلة بالقدر الذي يحمي شعبه من السقوط في حمأة اليأس والقنوط، ويشحذ عزيمته ، ويدفعه إلى الصمود والتحدي والمواجهة ، والتشبث بالأرض تحت أعتى الظروف وأشدها قهراً وجبروتاً(29) .

       ففي رواية (عكا والرحيل) ، نتحسس حجم الحب الذي يجمع بين الزوجين (أحمد النجار) و(خديجة) ، بحيث تسمو تلك العلاقة التي تميزت بالاستمرارية والتجذر بنفسيهما ، لتجعل للحياة معنى آخر ، يتخطى في عظمته الواقع ، وعندما تموت خديجة ينهار النجار مريضاً فقد حطمه فقدانها وأصابه بالكآبة ، حيث عاشا سوية أكثر من أربعين سنة بحلوها ومرها ، أفراحها وأتراحها ، بياضها وسوادها ، ولكأنما تلك الحقبة الطويلة جعلتهما يعتقدان أنهما سيعيشان إلى الأبد معاً ، غدر به الموت إذ جاءها قبله ، وعلى حين غرة : "ليست أربعين عاماً فقط ، هي ستون ، عرف خديجة مذ كانت طفلة

تحبو ، منذئذ بدأ يحلم بها ، وبدأت رحلة عذابه الطويلة لتحقيق حلمه ، ذكريات يستعيدها مغلفة بحزن دفين ، ونتف قلبه يتمزق ، لا يوجه الحديث لأحد بقدر ما يناجي نفسه ، وتترقرق في عينيه الفائرتين أشباح دموع ، يرتسم على ظلالها طيف تلك المعشوقة الراحلة"(30)

الكآبة تجتاح أيضاً (الشايب) في (نشيد الحياة) الذي فقد منذ زمن القدرة على النوم ، لم يعد النعاس يعرف الطريق إلى عينيه ولا إلى الروح المعذبة المقيمة في جسده ، تزوره في كل لحظة صورة زوجته الوفية الحاجة فاطمة المرأة الطاهرة ، نظيفة القلب والروح ، المفعمة برائحة الخصب والنقاء والطيبة ، التي جاءها الموت باكراً ، ليفقد الراحة والأمان والدفء بعدها ، لا يعرف أنيساً لروحه غير البارودة "فمن يجبر عثرة القلب الكسير ؟ ومتى يعبر الهواء الطلق بدلاً من الريح المسموم ، متى تمد لك الأيام جدائلها لتنشلك من أعماق بئر العزلة"(31) .

     أما أبو خليل في (العشاق) فقد صعقته وفاة زوجته ، وإن تظاهر بتحمل الصدمة ، وحينما يُطلب منه الرحيل إلى مخيم (عقبة جبر) المجاور تنفيذاً  لأوامر الاحتلال "يطوي ملابس زوجته ، ويضعها بحرص في الشنطة الكبيرة، أنزل صورة المرحومة عن الجدار ، دسها بين الملابس في الشنطة ، انحنى على الشنطة بعد أن أغلقها ، وكأنه ينحني على جثة عزيز"(32) .

     غول الوحدة أيضاً يعتصر (زليخة) في (نشيد الحياة) بعد افتقادها زوجها الغائب منذ زمن طويل ، لتقضي باقي عمرها تحلم بعودته ، يجتاحها البرد والخواء والفراغ ، تحس أن جراحها العميقة ليس لها شفاء في غياب زوجها : "سنوات طويلة مرت على غيابه ، لم تعد تعرف كم عددها ، عندما ذهب وهجرها كانت صبية ، وها هو شعرها قد ابيض تماماً .. أين ذهب ؟ ولماذا؟ وكيف ؟ في البداية حقدت عليه ، كرهته ، تمنت له الموت البشع ، لكن مع مرور الأيام بدأت تشفق عليه ، صارت تتمنى عودته سالماً، وأبلغت أولاد الحارة أن من يراه قادماً ، ويـأتي لها بالبشارة سوف تعطيـه الحلاوة ،

وصار الأولاد شباناً ، لم يعد أحد يراقب الشارع ، ومع الأيام صار نسياً منسياً ، وغاب مع من غاب من الأحباب ومهج القلب ، فلماذا يعود إلى أحلامها بعد كل هذه الأعوام الطويلة ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟"(33) .

     وعندما تبدأ الطائرات الصهيونية في قصف المخيمات ، لا تجد زليخة من تستجير به في زمن الشدة سوى الزوج الحبيب الغائب ، تسمع دقات أقدامه ، تسمع نقرات عصاه ، تفتح الباب لكنها لا تجد أحداً : "ترهف السمع ، تحبس أنفاسها ، لعلها روحه ترفرف حولها في هذه الليلة القاسية ، لعلها روحه تقترب وتقترب لأنها سئمت من الوحدة ، فجاءت تبحث عن أنيس"(34) .

    أما (سليمة الحاجة) فما تزال تشتاق لزوجها الراحل رغم جبروته وسطوته ، وزواجه من ثانية ، وملاحقته نساء القرية الفقيرات لإغرائهن بثرائه، ومع شدة بأسه عليها وعلى ضرتها ، فما تزال تردد : "إن ظل الرجل أفضل من ظل الحيطان الخالية"(35) .

    أما (أم غالي) في (البكاء على صدر الحبيب) التي استشهد زوجها حينما كان يعمل مع مجموعات الاستطلاع، فلا تعرف طريقة تجابه بها الوحدة غير الطلب من ابنها غالي أن يبقى قربها لخوفها من أن تموت ، ولا يعرفها أو يكرم مثواها أحد(36) .

    في (العشاق) نجد (أم محمود) المرأة التي تغرس في وجدان ولديها صورة طيبة لأبيهما الذي استشهد عندما كان عائداً من عملية ضد المحتلين لتصنع من ولديها  مقاتلين ، يسيران على نهج الأب ، كما نلحظ في استحضار (محمود) ذكرى والده : "يا سلمان عباس ، لقد بعت ذهبات زوجتك ، واشتريت ذخيرة لبندقيتك ، واشتريت القنابل من التجار ، وقاتلت ، مت ، ولكنهم لم يقتلوك في قلوبنا ، أنت حي ، معنا دائماً، حين تعد زوجتك طعاماً طيباً تقول : كان يحب هذه الأكلة ، حين نتصرف تصرفاً سيئاً تقول: هذا لا يرضيه ، لذا صرنا نعرف ما يرضيك ، وما لا يرضيك"(37).

 

        (في نشيد الحياة) يطالعنا الحب الأسري بمعانيه السامية المتبادلة بين (الزهيري) المنخرط في الثورة ، وزوجته ، فعندما يحس أنه قد صدمها برفضه السفر معها إلى بيروت لحضور خطوبة أختها بسبب ارتباط الأمر بتصريح من قيادته ، لم يستطع النوم، فكيف للمحب أن يرفض طلب معشوقته : "لا بد من مراضاة المرأة ، وتطييب خاطرها، ألقى الغطاء، ونزل عن السرير، كانت في الغرفة الأخرى تشغل نفسها برتق جواربه، يعرف أنها تحبه، وتحبه، ولا تكف عن حبه، لذلك حين اقترب منها، ومسح شعرها بيده، انفجرت بالبكاء ، وظل يهدهدها ، ضمها إلى صدره ، قبّل شعرها مرة وثانية وثالثة وحين توقفت عن البكاء قال لها : جهزي نفسك نذهب باكراً ونعود باكراً قبل أن يحين موعد النوبة المسائية"(38) .

     وحينما يُطلب من (الزهيري) الذهاب إلى بيروت لاستلام حمولة السيارة من أكياس الطحين لضمان استمرار تأمين الخبز في ظرف الحرب تتعلق به زوجته في موقف ينبض بالحب الحقيقي : "سألها : هل تخافين ؟

- بارودتك في البيت .

- وماذا أيضاً ؟

- وفي البيت ثيابك ورائحة حُنوّك "(39) .

وقبل أن يخرج تلاحقه بكنزته الصوفية كي يلبسها إذا ما عاد متأخراً فهو لا يحتمل البرد ، وكأنها كانت بغريزة المحب تعرف أنه سيحتاجها ، إذ يقع في براثن كمين إسرائيلي حيث يقيدونه ، وعندما يرفض أن يدلي بأية معلومات يضربونه بقسوة، ثم يلقون به عارياً تحت سياط البرد القارص ، ليتهاوى هناك بين الصخور مفتقداً كنزته الصوفية ، والمرأة التي تنتظره وفراشها الدافئ"(40) .

(في بوصلة من أجل عباد الشمس) يطالعنا الحب الأسري الذي يصل حد الانصهار في مشهد المرأة التي أصابتها شظايا القصف في مخيم صبرا : "كان رجل يتقدم وهو يسند امرأة بذراعه ، الحنو ينبثق من ساعديه ، والمرأة تنبت على جسمه ، وتمتد مثل غرسة متشعبة تتردد في التفلت من الأصيص الضيق"(41) .

     في الرواية الفلسطينية يمكن أن نعثر على كثير من قصص الحب الإنسانية خاصة بين أولئك الذين يجمعهم الإيمان بالثورة ، ففي رواية (بير الشوم) نتتبع بارعة، التي تلتحق بالمجاهدين في معارك 1948 ، لتكون إلى جوار (جواد) الذي كانت علاقتها به هي العلاقة الإنسانية الحميمة الوحيدة التي بقيت لها : "فيه وجدت بعض العوض ، بل كل العوض عن ما فاتها ، اختلطت عواطفها تجاهه مزيجاً من الأخوة والصداقة والعشق والأمومة والبنوة ، وهي لم تتوقف يوماً لتميز أيها أغلب ، بل إن مثل هذا التمايز لم يخطر ببالها ، كان جواد رجلها بينها وبين نفسها"(42)

وأمام إصرارها على مرافقته في ا لهجوم على معسكر العدو ، يكتشف جواد مدى حبه وحاجته إليها ، فيعرض عليها الزواج ، لتبوح له بالهم الدفين الذي جعلها تهجر قريتها وأهلها قبل سنوات طويلة ، لتعيش عيشة الخاطئة ثمناً لخطيئة لم ترتكبها ، إثر مقتل أبيها - الذي اختل عقله بعد وفاة أخيها الأكبر وأمها- وهو يحاول الاعتداء على جسدها البكر- مما أدى إلى تمزق الأسرة ، وتشتتها ، وهكذا جيء بها صبية إلى قرية "أم جواد" لتعمل في خدمة الدور والحقول ، متهومة أمام الناس في عفتها ، مجروحة في كبريائها ، لا تستطيع أن تبوح بالسر الذي سوّد حياتها (43) .

وعندما يلمس (جواد) عزمها على البقاء والمشاركة في عملية الاقتحام يوكل إليها مهمة حمل صندوق الذخيرة الآخر ، فيما يندفع برشاشه ليغطي مجموعة المهاجمين .

وعندما تنفد طلقاته يستنجد ببارعة وقبل أن تصل إليه بصندوق الذخيرة الثقيل ، تسقط بعد أن أصابت صدرها طلقة رشاش معادٍ ، ليترك موتها إحساساً شديداً بذنب يثقل وجدانه : "لم يستطع أن  يغفر لنفسه إهماله إياها ساعة الشدة حيث فقدها لحظة أن وعدها بالزواج ، وكانت حياتها ستتبدل ، وهي اللحظة التي انفجر فيها إدراكه بأنها أقرب الناس إليه وأحبهم إلى نفسه ، وها هو قد خسرها إلى الأبد ، وما من شيء يستطيع أن يعوضه أو ينسيه إياها" (44) .

ففي رواية (وإن طال السفر) يتضاعف تعلق سعاد بسلطان خاصة بعد تجربة زواجها الأول الذي فُرض عليها "أعجبني في سلطان رجولته ، وثقته في نفسه ، تحس

  وأنت معه أنه يعطيك شحنة من التفاؤل والأمل ، تدفعك لعمل المستحيل"(45) ، لذا لا تتردد في إخفاء الأوراق الممنوعة التي أخذتها من سلطان الذي جاء يسأل عن أخيها الغائب ، ليعلمها أن بيته سيتعرض للتفتيش ، وأنه ربما يعتقل بسبب تلك الأوراق .

في (نشيد الحياة) تطالعنا السنيورة -التي تشي تصرفاتها وإشاراتها الصارخة بأنها امرأة سيئة السمعة- وكيف صنع فيها حبها للمقاتل الشرقاوي- الذي خلق فيها الإحساس بأنها مرغوب فيها- مخلوقةً أخرى، تصبح جزءاً من هموم المخيم، تنشأ لديها رغبة في البحث عن عمل يطهرها ، ويمنحها فرصة تحقيق ذاتها، كما يتبدى ذلك في الحوار الخاطف الذي دار بينهما عندما بدأ العدو بقصف المخيمات ومواقع الفدائيين في بيروت:

- ألا تشعرين بالخوف ؟  

- ولماذا أخاف ؟

- الحرب وصلت الأبواب .

- إنهم يهاجموننا فلماذا لا نواجههم بكل أشكال الصمود ؟

- وماذا ستفعلين ؟

- سأذهب إلى مركز الهلال الأحمر , وأساعده في عجن الطحين"(46) .

  في (البكاء على صدر الحبيب) نطالع شخصية (فجر) الفتاة التي أحبها (زياد)، حينما كانا يعملان مع الثورة في عمان قبل أن يلتقيها ثانية في دمشق بعد أن تركها خطيبها الذي لمع نجمه مستقطباً الشباب ، فإذا به يحول الجميع إلى درج يُصعده إلى فوق ، مستبيحاً كل شئ ، غير آبه بمصائر الآخرين ومنهم خطيبته (فجر) التي أفقدها عذريتها، ليتنكر لها ، كما في اعترافها لزياد ، متناسية مسئوليتها حيث كان بإمكانها وهي المقاتلة أن تحمي نفسها ، غير أن زياد المناضل المثقف يصفح عن خطأها ، مدركاً في الوقت نفسه حجم القهر الذي تسبب بها بعض الذين امتطوا الثورة . وفي صورة موحية بانتصار الحب وتجاوز الوجيعة ، نتتبع ثمة أطفال يغنون ، ويتقافزون فـي زقاق ضيق "تعلق أحدهم بيد فجر ، ومـر بيني وبينها ، ورفيقه يطارده ، وهـو

يضحك ، يضحك مثل عصفور يغرد على شجرة بلا أشواك . فرح بالشمس والأمان ، تلاقت عيوننا ، وضغطت أصابعها ، وهدر الدم في العروق ، وارتفع وجيب القلوب الظامئة للحنان , والراحة ، ونحن نسير ، وفرح الأطفال يطهرنا ، ويرفرف فوق رأسينا"(47) .

    في (العشاق) يتجسد الحب كرمز للحرية "رمز للجيل الذي يقف مواجهاً قدره الآخر، أي المجتمع بتقاليده ، وعاداته ، يقف يتحدى المشيئة الأخرى التي تعمل على فرض وجودها على مشيئة المحبين"(48) .

حيث نجد ذلك كله عبر لهفة (ندى) الفتاة العاشقة التي تلتقي حبيبها (محمود) الخارج بعد ستة أشهر من الاعتقال ، وعندما يراها يحاول أن يتجنبها خوفاً من نظرات الناس، غير أنها تلتقيه بفرح ينسيها التقاليد : "- قال : ألا تخافين أن يرانا الناس ؟

- قالت : ليرانا الناس معاً .

مدت يدها ، وفي عينيها تفجر عشق كأنه وجد الصوفي في الحضرة .

قال لها : تلميذاتك يراقبننا هذا غير عيون المعلمات ، ولا تنسي المصادفات السيئة التي لا تكون في الحسبان .

قالت : أود لو أقبلك هنا في الشارع أمام الناس"(49) .

غير أن ذلك كله لا يصمد أمام سطوة التقاليد ، فعندما يقترح عليها (محمود) أن يخرجا عصراً للسير وسط البساتين تستهجن ذلك .

"غير معقول . ماذا لو رآنا الناس معاً ؟

- سيقولون : هما عاشقان .

- فقط .

- ومجنونان .

- فقط .

- ويستحقان الذبح لأنهما يخرجان على التقاليد .

- فقط .

ووضع محمود رأسه بين يديه ، قال بصوت بطئ : الحب موجود في قلوبنا ، والحقول خضراء ، والسهول فسيحة والعصافير على الأشجار ، ونحن لا نستطيع أن نتنفس هواء نظيفاً في العراء .

قالت : هذا المجتمع الذي نحن فيه جلاد وضحية في نفس الوقت"(50) .

        حسابات نظرة المجتمع تظل هي السائدة ليس من السهل تجاوزها حتى مع (زياد) و(فجر) المناضلينِ المثقفينِ اللذينِ تجاوزا الكثير من الحواجز والقيود: "لوَّح لي زياد وهو يضحك ، كدت أناديه بأعلى صوتي : حبيبي زياد ، وددت لو أعانقه ، ظللت أتأمله وهو يتأملني .

قال : اللعنة على التقاليد التي تمنع الأحبة من الفرح"(51) .

تحفل الرواية الفلسطينية بصور تشي بالواقع المأساوي للمرأة التي يحاول البعض سلب إرادتها وحرمانها من حقوقها الطبيعية كإنسان له عقل يميزه عن غيره  "فهي لا حقَّ لها في الحياة الحرة ، وفي الحب ، وفي اختيار شريك الحياة ، أو الإفصاح عن عواطفها ومشاعرها خاضعة لإرادة الغير"(52) . بحيث يصبح أمر الزواج في يد طرف ثالث ، طرف يحكم على الزواج من حيث مصلحته هو .

     فهذا (فارس الصالح) في (عكا والرحيل) يفرض على ابنته (خديجة) بعد أن أنهت امتحان المتريك - في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي - عريساً مدعوماً بثروة عائلته الفلكية ، لكن خديجة التي تتمتع بذات جامحة ترفض العريس بإصرار حيث كان مستحيلاً عليها أن تتنازل عن كل ما حققته بجرة قلم، أن تلغي شخصيتها ، وتترك أحلامها وأفكارها وعواطفها ومشاريعها تتحطم تحت قدمي ابن البيك "لم يهضم عقلها أبداً فكرة أن تُقاد رغماً عنها إلى رجل اختاروه لها"(53) .

        "إذاك لم يعد فارس يستطيع السيطرة على نفسه ، اقترب من خديجة ضاماً قبضة يده وهو يقسم أنه لن يتراجع عن قراره - ستتزوجينه غصباً عن رأسك -"(54) .

      بل إن نساء العائلة لا يستوعبن عناد خديجة ورفضها المناقض لما تعودن عليه ، ولا ينسين تحميل فارس المسئولية "لقد مد فارس لابنته الحبل ، وترك لها ما يكفي من حرية واستقلالية ، وسمح لها بأن تدخل المدرسة ، وأن تسفر ، وتعمل في الاتحاد النسائي ، بل وأن تفكر حتى بدخول الجامعة ، لكن ذلك لا يعني أن تتنمر ، وتتمرد عليه في موضوع حساس وخطير ومصيري كالزواج في مثل هذه القضايا يظل القرار النهائي لرب العائلة وإلا ضاعت القيم وانهار العالم"(55) .

ذلك ما اعتاده فارس الصالح قبلاً ، فكلمته هي الفيصل في الزواج أو عدمه ، فهو الذي فرض على أخته (روحية) زوجاً ثرياً وهو يعلم أنه نصف مجنون ، ولم يشر إلى ذلك، كما لم يشر إلى المهر الكبير الذي حصل عليه ثمناً لتلك الصفقة، كما أنه تجاهل الحديث عن مقدم ومؤخر أخته ، ولم يفكر أن يمنحها ولو جزءاً منهما بعد وفاة زوجها(56) .

    أما (سعاد) ابنته الكبرى فقد ساقها كالنعجة إلى الزوج الذي اختاره لها ، لم يفكر حتى أن يأخذ رأيها ، وعندما اكتشفت سوء طباع زوجها - زير النساء الذي لا يبالي بكرامة بيته - لم تذق طعم الراحة والاستقرار ، لكنها عندما كانت تحرد ، كان أبوها يعيدها ثانية ، فأدركت أن لا مهرب لها من قدرها ، فرضخت ، وانصاعت مكرهة(57). 

    أما (ازدهار) شقيقة (فارس) ، فتؤكد لخديجة أن أباها هو السبب في عنوستها وكسادها ، لتعلن صرخة احتجاج متأخرة على التقاليد الظالمة التي سجنتها : "لولاه كنت تزوجت منذ خمسين سنة ، ولكان عندي الآن دزينة أولاد وأحفاد ، لم يكن يعجبه العجب ، ما تقدم أحد يطلب يدي ، إلا ووجد فيه مئة علة وعلة ، هذا غير مناسب ، والثاني عائلته نكرة ، ذلك طامع في مالي ، وفلان كبير جداً ، وعلان بسيط وأجدب ، بعد أن تجاوزت العشرين اكتشفت أنه يخطط لمصاهرة الباشا (محمد علي) أمين سر والي عكا ، راح يزين لي الزواج من ابنه ، حسبت أن الأمور مرتبة بينهما ، وانتظرت يمنعني حيائي من الإلحاح عليه في الموضوع إلى أن انتقل الرجل من عكا ، كم كرهته وحقدت عليه بعد أن عرفت أن ابن الباشا كان متزوجاً من أربع ، وأن أباك

كان ينتظر أن يطلق واحدة منهن ليزوجني له .وهكذا لا أعرف كيف مرت السنوات فما صحوت على نفسي إلا وأنا عانس فاتني القطار"(58) .

"المرأة العانس هي الوجه الآخر للمرأة أداة الإنجاب ، وإذا كان الإنجاب ، والحفاظ على الثروة هو المبرر لوجود المرأة فلا جدوى على الإطلاق لوجود امرأة لا تتزوج ، وبالتالي لا تنجب ، ومن ثم يضع المجتمع المرأة العانس خارج دائرته ، ويعكس الأدب هذا الواقع مسجلاً له أحياناً ، وناقداً له ، ومحتجاً عليه أحياناً أخرى"(59).

        لذا لم يكن مستغرباً أن توافق خديجة على الزواج من أحمد النجار الذي تقدم لخطبتها للمرة الثالثة تخلصا من أطواق الوصاية خاصة بعد قصة غيابها عن البيت لمدة ثلاثة أيام ، كما في حديثها مع عمتها ازدهار التي كانت توصيها دوماً بالرصانة والانضباط : "تزوجته لأتخلص من تلك المصيبة التي رأيتها تكبر يوماً بعد يوم ، لأخرج من ذلك السجن ، بل القبر قبل أن يغلقوا بابه عليَّ إلى آخر عمري بسبب ما فعلت ، نعم كنت على حق ، لو لم يطلبني أحمد وأوافق لما كنت الآن سوى عانس يلوكون سيرتها ، ويدوسون على سمعتها ، ويحذرون الناس من معاشرتها والسير معها، بل والاقتراب منها ... هكذا كانت تحذيراتك يا ست ازدهار"(60) .

 

        في رواية (ما تبقى لكم) يدفع الخوف من العنوسة مريم الطموحة المتعلمة ذات الأصل والفصل إلى الاستجابة لإغراءات (زكريا) الذي استغل حاجتها إلى رجل "وخوفها من عالم غير مستعد لقبول عانس أخرى"(61)، فتحمل منه، مما يجبر أخاها (حامد) أن يزوجها من ذلك (النتن الخائن) درءاً لعار الفضيحة المنتظرة، مستذكراً في الوقت نفسه أمه التي غابت منذ سقوط يافا وأنه يجب عليه أن يفعل شيئاً عملياً يخلصه من أثقال الماضي وعجز الحاضر. وعندما يلح زكريا على مريم أن تسقط جنينها "الذي

يشكل مجيئه بعد خمسة أشهر من الزواج فضيحة له"(62) وإلا فإن الطلاق هو البديل، تقدم مريم على طعن زوجها الخائن معلنة بذلك انحيازها لخندق المواجهة الذي خرج من أجله أخوها حامد .

        في رواية (الشوارع) نتتبع الأرملة الجميلة (ثريا) -التي استشهد أبوها ، وهو يقاوم الإنجليز في ثورة 36 وفقدت زوجها في حرب 1948- لتعيش وحيدة تغلق على نفسها باب بيتها التنكي، تثير عودتها المتأخرة في الليل أقاويل المخيم ، بحيث أصبحت مطمعاً للبعض ممن لم يستطيعوا النيل منها ، مثل الشاويش "أبو نواف" المكروه من أهل المخيم ، كما يروي صديقه الطاهر الذي صدته ، وأذاقته مرارة الخيبة : "تلك المرأة جميلة لكنها مغرورة ، لهذا كتب عليها الشقاء ، أتظن أنها لا تتآكل أرقاً طول الليل ويكاد يقتلها الشوق إلى أحضان رجل قادر ؟ لقد صدت الشاويش بعنف، قال لي : هذه ليست امرأة ، بل رجلاً مثل سائر الرجال ، رفضتني بسلطتي ، وأوسمتي ، وشاراتي ، سوف أذلها إذا لم تستجب" (63) .

    وإزاء اعتدادها بنفسها يضطر الشاويش -الذي ما زال يشتهيها- إلى مداهمة باب بيتها مهدداً باستعمال القوة إذا لم تفتح له ، مؤكداً أنه لن يلحق بها الأذى ، بل سيتخذ من نفسه حامياً لها ولجمالها .

"كانت تسمع له طوال الوقت وهي حذرة منه ومن كلامه ، وما لبث أن كشف هدفه ، وهو يمد يده ليكشف كتفيها ، وحينما تعلقت بالشال ممانعة ، مزقه ، وطرح شفتيه النهمتين بين نهديها ، صاحت ، وجرت صوب النافذة ، لكنها كانت محاصرة ، طرحها على الأرض ، وأحكم من حولها القيد .، و راح يلثم مفاتنها ، ويصرع أمانيها … في الصباح رأوها ، وهي تحمل حقيبة ، وفي نظراتها إدانة للجميع" (64) .

     في (عكا والرحيل) تطالعنا (إيمان) رمز النقاء والطهارة حيث استغل (ديب) سذاجتها وقلة خبرتها من خلال وعده لها بالزواج ثم تنصل من فعلته محملاً إياها المسئولية : "لم يرحمها ديب ابن خديجة ، علقت في شباكه ، وظلت مستعصية عليه إلى أن وعدها بالزواج ، وافترض أن علاقتها معه ستنتهي إلى ما انتهت إليه مغامراته

النسائية ، لكن التعيسة حملت منه ، ولم تكتشف ورطتها إلا بعد أن ظهرت عليها أعراض الحمل ،  بكت خديجة ، ولطمت وجهها وهي تسمع قصتها ، لم تعرف ماذا تفعل ولا ماذا ستقول، لم يكن في يدها حيلة ، لملمت إيمان وأمها فضيحتهما ورحلتا عن عكا ، وسمعنا لاحقاً أنهما غادرتا فلسطين كلها"(65) .

        هاجس عنوسة البنت يجبر بعض الأمهات أن يعرضن بناتهن ، وكأنها سلعة كما فعلت جارة أم غالي مع ابنتها في (البكاء على صدر الحبيب) "ادخلي يا عروس ، لا تخجلي غالي شاب مهذب ، لم نر منه إلا كل خير ، أنت يا أستاذ غالي محترم تشتغل بضمير ، ولكن غيرك بنوا بيوتاً ، واشتروا سيارات من العمل الفدائي ، أما أنت فيا حسرتي حتى لم تتزوج ، وإذا مت ، فلن يبقى لك أثر، ستنقطع ذريتك ، حرام على شبابك ، وربتت على ظهر ابنتها"(66) .

وهناك نوع من الزواج يطلق عليه زواج البدل أو المقايضة سواء بالأخت أو الابنة ، بكل ما ينجم عنه من ويلات ومآسٍ "والمقايضة في الزواج هي مظهر من مظاهر التصرف التسلطي للأهل ، ففي هذه الحالة لا نرى للمهر أثراً ، ذلك أن مهر الواحدة من المرأتين المقايض بهما قد دفع مهراً للأخرى ، وهذا يعني أن الرجلين المتزوجين قد استأثرا بالمهر"(67) .

     كما فعل (أبو حسن) المزواج في (العشاق) بعد أن زرعت أم حسن بذور الثورة ضده، واستطاعت الاقتصاص منه أمام زوجاته الأربع "مطلقي المزواج استولى على حسنية ابنته ، وبدّل بها ، أعطاها لفتى من قريتنا ، وتزوج أخت ذلك الفتى ، لكنه منذ شهرين وحتى الآن لا ينفع ، لقد فضحته البنت ، إنها تكرهه ، مسكينة ، لقد أرغموها على الزواج من عجوز لا يعرف من الدنيا غير لذته ، أتعرف ماذا قالت له أمام أهلها:- يا عجوز الزفت إنك تنام بجواري كأنك حرمة، عندئذ حلف عليها بالطلاق، فحردت لبيت أهلها ، ولكن حسنية رفضت أن تحرد ، وظلت عند زوجها ، ففقد العجوز صوابه"(68) .

    وتتابع الرواية الفلسطينية الآثار السلبية لتعدد الزوجات، فأم ثريا في (بوصلة من أجل عباد الشمس) هي التي تكد، وتتعب بينما تحصد الزوجة الثانية المحاباة والحظوة:

"ترتدي زوجة أبي أجمل ثيابها ، وتجلس على عتبة بيتهم المقابل ، لا تتحدث أمي معي عندما تتضايق ، تصبح عصبية مع الجميع ، وكأنها تقول لنفسها : إنها هي التي تخيط الملابس للناس ، وزوجها يشتري أجمل الأثواب لامرأة أخرى"(69) .

وتحفل الرواية الفلسطينية برصد أحلام الصبايا ، وكيف أنها تتحطم على صخرة الواقع إذ تأتي النتائج على غير رغبتهن كما في (العشاق) التي تدور أحداثها في أواسط الستينيات : "تدفقت البنات على الإسفلت حاملات الجرار، يسرن متمايلات متأودات بأثوابهن المطرزة ، والكحل في العيون ، والعيون تدور وتدور، والابتسامات ترسل من تحت لتحت ، البنات يحلمن جميعاً بالزواج من أساتذة ، أو أنهن يردن الزواج من هؤلاء الذين يرتدون بدلات الصوف الإنجليزي والقمصان البيضاء ذات الأطواق المنشاة ، والكرافات المدلاة على الصدور ، والوجوه الحليقة والأقلام ذات الأغطية الصفراء في الجيوب الخارجية ، ونظارات البيرسول ، ولكنهن غالباً ما يتزوجن أبناء الأعمام أو أبناء الخالات الذين ليسوا أساتذة"(70) .

        في (وإن طال السفر) تُساق (سعاد) إلى زواج قسري غير متكافئ، لأن الأب أراد ذلك، وكلمة الأب لا ترد، لتكون النتيجة الطلاق السريع بكل ما تحمله لفظة مطلقة من معاناة للمرأة : "مطلقة، الكلمة بغيضة لكنها أحب إليّ من الحياة مع ذلك الرجل، ألقاني أبي إليه في ذلك اليوم بذرة صغيرة، نبتة غضة على شاطئ بحر هادر ومخيف، تركني، ومضى، وبدأت أصارع الأشياء وحدي أحسست بوحشة الحياة، وهجمتها على كياني كله، ألقاني دون سؤال أو حتى لحظة تريث ليسمع مني جواب"(71).

        ورغم ذلك تظل حسابات الحسب والنسب والأصل والمركز والجاه هي المعايير الأكثر رجحاناً في موضوع القبول بالزواج أو عدمه من قِبل الأهل، فأم سمية في (صراخ في ليل طويل) ترفض الموافقة على تزويج ابنتها لمن اختارته من منطلق الحسب والنسب : "لـن نسمح لك بتحطيـم مستقبل ابنتنا ، لـن نرضى عن زواجكما

مطلقاً، ولا فائدة من اللف والدوران، فما الذي سيقوله الناس عنا؟ .. ألمثل هذه الساعة ربيناك، وأنفقنا على تهذيبك وتعليمك لكي تأتي إلينا بمثل هذا الرجل الذي لا يعرف أحد حسبه أو نسبه"(72) .

في رواية (الخيوط) يطالعنا الشيخ عبد الرحمن الفايز -أحد أثرياء القرية المعدودين- الذي يقابل رغبة ابنه أحمد بطلب يد (خيرية اليوسف) بالاستنكار والاستهجان ، فكيف له أن يوافق على تزويج ابنه من بنت الحراث كما ينعتها .

ورغم غضبته الشديدة التي أجبرت زوجته أن تقف في الزاوية ترتجف وتستعيذ بالله ، إلا أنه يضطر تحت الإلحاح أن يقبل المهمة حتى يكف طيش ابنه ، متصوراً أن عائلة بحجم فقر "عائلة اليوسف" ستطير فرحاً بنعمة مصاهرته ، غير أن خيرية - شقيقة "خالد" الذي استشهد في معركة "اللجون" دفاعاً عن القرية- تعلن أمام أبيها موقفها الرافض .

"حاولت زوجة والدها أن تقول كلمة من أجل الصغار لكن "خيرية اليوسف" كانت حاسمة : يجب أن أظل إلى جانب الصغار ، والحمد لله على ما نحن فيه ..

وكبرياء الشيخ عبد الرحمن جرحت من جديد ، عاد يجر نفسه جراً غير مصدق الرد الرافض : لا نستطيع أن نزوج البنت قبل أن يكبر أخوتها ، هذه وصية الشهيد"(73) .

    أما الفتاة (غريبة) في (على سكة الحجاز) فتقول لإبراهيم ابن الثري (إميل بك) حينما جاء يخطبها بعد أن وقع في حبها : "أنا ابنة فقيرة ويتيمة، وأنت رجل كبير لك من هن كفؤك، ومن طبقتك، وعلى نسقك، فهن جديرات بك، وبأن يستمعن إلى كلامك هذا، هذه قسمتي، هذا حظي من الحياة"(74).

أما (ثريا) الطالبة في المعهد فقد أحبت (جعفراً) في (بوصلة من أجل عباد الشمس) لكنها تخشى ردة فعل الأب الذي استحال سمساراً يقود بناته إلى زيجات لا يدرين عنها شيئاً(75) كما في حديثها مع (جنان): "صورة أهلي ومشاكلهم تهز لي الصورة دائماً، سيعتقلونني في سجون بيوتهم ، ويخرجونني من المعهد لـــو عرفوا

 

أني أحبه، شاب دون شهادة أو وظيفة محترمة، ستهزأ زوجة أبي الحمقاء، وستصاب أمي بالجنون لأني لم أحصّل عريساً غنياً ولائقاً كالذي تزوجته ابنة غريمتها"(76) .

     وفي (عكا والرحيل) تنتاب (فارس الصالح) أحاسيس من السخرية والسخط عندما يأتي (أحمد النجار) لطلب يد خديجة منه : "لم يعرف فارس الصالح أيغضب أم يسخر، يطرده أم يماطله، يضع له حداً، أم يأخذه بالسياسة، من يمكن أن يتصور أحمد النجار، ذلك النكرة، شبه الأمي، القابع في ورشته الحقيرة القانع بواقعه وهو يبني بخديجة الفاتنة المتعلمة الراقية ذات الحسن والدلال والجاه والعز"(77) .

    وفي رواية (بوصلة من أجل عباد الشمس) نتلمس ذلك من خلال حديث (جنان) مع حبيبها المقاتل (شاهر)، وكيف أنها تتوقع أن يرفضه أهلها بسبب فقره الذي يعني التشرد رغم أن أهلها من الطبقة الفقيرة أصلاً : "سوف يقولون أنهم لا يحبون الفقراء رغم أنهم منهم، وسوف تتصاعد شكاوي العمات والخالات من غبائي. فتاة متعلمة مثلك، وتبحث عن رجل فقير يكرس حياة نريد أن يتخلص منها أبناؤنا، أين تضحياتنا التي بذلناها كي نجعل منك فتاة رصينة عاقلة تبحثين عن التشرد وحياة التهديد الدائم واللااستقرار"(78) .

* * *

 

    مما تقدم نخلص إلى أن الرواية الفلسطينية قد أعلت من شأن الحب كعاطفة إنسانية تهدف إلى تحقيق التوازن بين الحياة اليومية للإنسان الفلسطيني بما فيها من آمال وأحلام، وبين الواقع المأساوي الذي يفرضه وجود احتلال قمعي يتنافى مع أدنى مطالب الحياة الإنسانية، سواء أكان الحب ضمن نطاق الحياة الزوجية أو خارجها، بحيث يصيب غياب أحد طرفي الزواج الآخر بالكآبة وكسرة القلب وافتقاد الراحة والأمان، لذا يلاحظ استحضار الزوجة صورة الفقيد الراحل تستجير به زمن الشدة وتبقي ذكراه حية متوهجة في وجدان أبنائها، يستضيئون بها ويعملون على إكمال المسيرة التي ضحى من أجلها.

    كذلك نجد أن الحب الحقيقي قد غيَّر واقع بعض النماذج النسائية للأفضل، حيث ساهم في تجاوز حالة الضياع التي مرت بها ، أو عاشتها تلك النماذج .

الحب لدى الروائي الفلسطيني يبدو رمزاً لجيل يحاول أن يفرض مفاهيمه متخطياً واقع الحواجز والوصاية، غير أن سطوة التقاليد هي الفيصل إذ لا ينظر المجتمع بتسامح لمن يخرج عن ضوابطه الأخلاقية .

   كذلك يُلاحظ أن الرواية الفلسطينية قد رصدت الواقع المأساوي للمرأة بغرض تجاوزه خاصة حين يحاول البعض سلب إرادتها، وحرمانها من حقوقها الإنسانية المتمثلة في التعبير عن عواطفها واختيار شريك حياتها،أو حتى الحلم به، حيث يعمد بعض أرباب الأسر إلى التسلط بالنسبة للقرار النهائي في موضوع زواج الابنة أو الأخت (كفرض العريس أو رفضه، الزواج البدل أو المقايضة) من منطلقات ومعايير خاصة يأتي في مقدمتها الحسب والنسب والأصل والمركز الاجتماعي أو الاقتصادي، دون الاهتمام برأي صاحبة الشأن، حيث ما زالت الكثيرات يُسقن إلى زواج قسري غير متكافئ رغم انخراطهن في الثورة والتعليم، لتكون النتيجة الطلاق أو العنوسة أو الكساد بكل ما يستتبع ذلك من معاناة ومآسٍ نفسية واجتماعية .


 

رابعاً : العــمل :

 

إن مستوى مشاركة المرأة في مختلف أوجه النشاط لمجتمع ما دليل على درجة تطور ذلك المجتمع ، ويكتسب المستوى الاقتصادي أهمية خاصة في هذا السياق "فالمجتمع هو تجمع الأفراد لإنتاج شروط حياتهم  المادية ، ويتحدد وضع الأفراد داخله بناء على الكيفية التي يشاركون بها في العملية الإنتاجية وهو ما يصدق على المرأة أيضاً، فتتحدد مجمل شروطها الاجتماعية بناء على درجة مشاركتها الاقتصادية ، ونمط تلك المشاركة "(79) .

فالمرأة نصف المجتمع ، وعملها الواعي هو نصف طاقة هذا  المجتمع ، فإذا كان هدفنا تطوير المجتمع فإن ذلك يتطلب تحرير طاقة المرأة " فإذا كان للعمل دوره الأساسي في تحرير المجتمع وتطويره فإنه يعد عاملاً محورياً في تحرير المرأة ذاتها وتحويلها إلى شريك كامل في صنع المجتمع وتطويره "(80) .

إن المتأمل للرواية الفلسطينية يجد العديد من الشخصيات النسوية على اختلاف بيئاتهن وتنوع أعمالهن : القروية الكادحة والعاملة المكافحة والمثقفة الثورية والمعلمة والصحفية ذلك انطلاقاً من إيمانهن بأن العمل هو النشاط الوجودي للمرأة أي النشاط الذي يتوقف عليه بناء شخصيتها الإنسانية بأوجهها المتعددة العقلية ، والاجتماعية والثقافية والأخلاقية ، .. إذ بالعمل وحدهُ تنمي المرأة - كما الرجل - قواها العقلية ، ومشاعرها ، وتعيد إنتاج ذاتها الإنسانية وتعكس تلك الذات العالم الذي تنتجه وبدون العمل لا يمكن للقوى والطاقات ، وبذور التحول الكامنة في المرأة أن تنمو بالفعل وترتقي(81) .

لقد مرت المرأة بتحولات اجتماعية وحضارية من جراء خروجها إلى الحياة العامة ومشاركة الرجل في  العمل والإبداع والقيادة ، ورافق هذا الخروج الكثير من المشكلات والأزمات والمكاسب(82) .

هذا ما نتلمسه في كثير من الشخصيات النسوية العاملة التي ترد في الرواية الفلسطينية والتي تتوزع بين مشاق العمل ومسئوليات الأسرة والبيت .

ففي رواية (بوصلة من أجل عباد الشمس) تطالعنا المرأة الكادحة (سليمة الحاجة) أم عامر التي فقدت زوجها فقامت على تربية بنيها رافضة شفقة الآخرين وظلت معتدة بكرامتها ، ولم تتوقف عن العمل : "أمراضها قد تكاثرت ، وهي لازالت مصرة على القيام بأعمالها السابقة ، وتواصل أهازيجها وأغانيها القديمة مستنكفة عن طلب المساعدة من أحد"(83) .

        وفي (العشاق) نتتبع (أم حسن) المرأة الفلاحة الصابرة ذات الوعي الفطري التي أرغمت زوجها (المزواج) على الطلاق منها بعد أن لم تر منه سوى القسوة متحملة في كبرياء مسئولية الإنفاق على ولدها حسن الطالب في السنة النهائية في الجامعة ، وشقيقه الذي يدرس في معهد قلنديا إضافة إلى الابنة حسنية ، لتظل منكبة على العمل حيث تصنع الطوب من التراب والتبن والماء وتجففه تحت الشمس ليبني الناس في المخيم بيوتهم منه : "رآها ، ساقاها وقد شمرت الثوب من حولها مغروستان في الطين ، وهي تنتزعها ، وتغوص بهما ، متنقلة في بركة الطين الكبيرة ، تقدمت ، وحملت كيساً رشت منه التبن على الطين ، ثم نقلت بعض الماء من البركة التي احتفرتها ، ونقلت إليها الماء من الجدول ، وعادت  تمزج بقدميها الطين الطري عند العمل تكون أم حسن نحلة ، لا ، تكون طيناً يمزج طيناً ، وجهها المخدد الأسمر القاسي الطيب ، جسدها الضئيل ، كومة العظام في الجلد الأسمر المحروق ، قامتها المائلة إلى  القصر تنبض كلها حياة ، وقوة، وأغان شجية"(84) .

أما (أم محمود) في الرواية نفسها فتتحمل المشاق في تربية ولديها محمود ومحمد اللذين تركهما صغاراً بلا معين أبوهما (سلمان) الذي استشهد في أواسط الخمسينيات على الحد الفاصل بين الوطن والغربة ، وفي يده رشاشته التي اشترى ذخيرتها بذهبات زوجته ، لتعبر بهما الظلام إلى النور بالجهد والعرق والدموع كما نلحظ في مناجاة محمود - الذي أصبح مدرساً - لِطيفِ والده : "يا سلمان عباس . لقد

عشنا على التمر والخبز الأسود ، خبز الشعير وخبز الذرة ، تلك الأيام السوداء أرهقتنا بعدك ، لكنها صمدت تلك المرأة الشجاعة أمنا ، أيام البطانيات السوداء الخشنة نصنع منها اللباس والأكفان والغطاء والفراش ، أيام العيش على الخبيزة والأعشاب البرية ، نسابق الحيوانات على اقتلاعها من التراب كي نعيش"(85) .

        في رواية (النهر الغريق) تطالعنا شخصية (أم صالح) التي استشهد زوجها في الاعتداء الإسرائيلي على بلدة قلقيلية عام 1955 ، تاركاً لها ولدين وبنتاً ، تقف حياتها من أجل تربيتهم وتعليمهم ، كما في حديث ابنها صالح : "كنت يومها في العاشرة ، وسلمى في الرابعة ويحيى ولد يوم استشهد أبي ، فحمل اسمه ، كانت أمي تدفعني للدراسة بشراهة ، وتمنعني من مساعدتها خشية أن يؤثر ذلك على مستوى دراستي ، عملتْ في الأرض ، وجرحتْ راحتيها وقدميها سنوات طويلة ، كان والدي قد خلف لها قطعة أرض وبيت وقيراطين في المطحنة ، كان الدخل كافياً لأن تعيش مستورة ، لكنها كانت تحدق في الأفق البعيد ، تدخر وتدخر ، وعندما لم أحصل على معدل يدخلني كلية الطب في مصر مثل ابن (أبو حسين عوض) قالت لي: لا تهتم ، روح على أسبانيا مثل ابن (أبو خالد عواد) أطلعتني على ميزانيتها ، وأخبرتني أنها مصرة على تعليمي حتى النهاية ، ولو اقتضى الأمر أن تبيع الأرض والمطحنة والدار"(86) .

        في رواية (نشيد الحياة) ، نجد (زليخة) المرأة الصابرة المعذبة التي تركها زوجها عندما كانت صبية ، وانقطعت أخباره ، لتقاسي الوحدة والفقر ، تحلم برجوع زوجها الذي غفرت له غيابه الطويل راجية الخلاص على يديه ، ورغم أعوامها الخمسين تحمل قسطها من عذاب المخيم ، تقارع الحياة في صلابة رافضة أن يتصدق عليها أحد ، تشتغل في تصفيف البرتقال بمركز البراد الذي يملكه أحد الأثرياء ، وتربي الدجاجات في القن ، وعندما يدهس أحدهم دجاجتها ترفض في شمم أن تأخذ تعويضاً منه . رغم حاجتها وعوزها ، مواصلة دهان حائط منزلها بالشيد الأبيض كما لو أنها ترسم عشرات الدجاجات البيضاء الناصعة ، وعندما تداهم العاصفة المجنونة بيتها المتهالك في المخيم تنهمك رغم البرد في الترميم ، والكناسة ، وإعادة بناء القن ،

وإصلاح ما يمكن إصلاحه من محتويات النعنع والعطرة 87) .

ويمتد عطاء زليخة - فرغم عذاباتها - لا تنسلخ عن أناس المخيم ولا يتوقف تعاطفها معهم ، فعندما يقوم (الشايب) بغسل الجثة المجهولة الهوية التي سقطت برصاص القنص يجد زليخة أمامه ، ودون أن تتكلم تخرج من صدرها زجاجة عطر لتديرها في حنو على الجسد المسجى ، ولا يفوتها أن تسير مع القلة القليلة وراء النعش(88) .

        ومن خلال ولوج أعماق (الشايب) نتعرف على زوجته الحاجة فاطمة المرأة التي جاءها الموت باكراً ذات ليلة ففقد بعدها الأمان : "فاطمة المرأة الوفية ، المرأة الفلاحة التي تستيقظ قبل صياح الديك ، التي تشتغل في الحقل ، وتربي الدجاج في البيت ، وتطبخ وتعجن ، وتخبز ، تفيض البركة من كفيها ، هي سيدة البيت وأحياناً رجل البيت"(89) .

وفي رواية (البكاء على صدر الحبيب) ترتسم صورة المرأة العجوز (أم زياد) التي ربت ابنها مذ كان في السادسة ، عند استشهاد أبيه الذي رفض مغادرة القرية عام النكبة آمراً زوجته أن تحافظ على ابنها، ليسقط مدافعاً عن ثرى الوطن ، لتحمل المرأة الأمانة بإخلاص، تكد في تربية ابنها وتعليمه ، حتى يتخرج في جامعة القاهرة(90).

       أما (أم سعد) عند غسان كنفاني فتجسد شخصية المرأة الفقيرة الكادحة التي تعيش في المخيم بعد النزوح وفقدان الأرض والبيت، وتقف إلى جانب زوجها لتساعده على مواجهة قسوة الحياة "نهارها صحراء قاحلة من التعب المضني منذ أبكر الصبح وهي تعتصر الملابس ، والمماسح ، تنظف الشبابيك وتجلو الأرض وتنفض السجاجيد في بيوت الآخرين طبعاً ، فبيتها في المخيم غرفة مشطورة من النصف بحائط من التنك"(91).

(أم سعد) التي تواجه شظف العيش وتعبه "كي تنتزع لقمتها النظيفة ، ولقمة أولادها"(92) تعيش في الوقت نفسه معاناة مثيلاتها ، لذا تتنازل عـن عملها فـي إحدى

العمارات الكبيرة في وسط المدينة بعد أن علمت أنها حلت محل امرأة لبنانية جنوبية مسحوقة تعول أسرة كبيرة تم طردها توفيراً لليرتين في اليوم .

تأبى (أم سعد) العودة لعملها رغم حاجتها من منطلق رفضها قطع مورد رزق امرأة كادحة مطحونة مثلها ، تاركة أجرة أسبوعين لناطور البناية الذي يطاردها ليحملها على العودة للعمل : "إنني أصاب بالارتجاف حين أرى ذلك الناطور يتعقبني من قرنة إلى أخرى ، يريدون ضربنا ببعضنا نحن المشحرين كي يربحوا ليرتين ، تلك العمارة تسوي الكثير ، وهم لا يهمهم مع ذلك أن يدفعوا واحدة منا لتقطع رزق الأخرى"(93) .

        ورغم هذا الشموخ والتسامي نجد نماذج لنساء يساهمن في تدبير المكائد حتى للبائسات ممن هن على شاكلتهن بحجة الفقر والحاجة والجوع ، ففدوى في رواية (على سكة الحجاز) التي كتبت في مرحلة مبكرة تشارك في الخطة التي نصبها (إميل بك) - الإقطاعي المتنفذ - الرامية إلى إقصاء ابنه إبراهيم عن (غريبة) الفتاة الفقيرة التي  أحبها ، وعندما تثور ابنتها عليها رافضة تلك الخسة ، تبرر أمها السبب بضيق ذات اليد        : "أنا لم أفعل ذلك إلا من أجلك ، ألا تعلمين أن إبراهيم يساعدك بقسط المدرسة ، ولو لم أقم بهذا الدور لسعى والده لديه بقطعه ، ثم أني فقيرة يا بنتي ، وقد ضقت ذرعاً بمطاليبك وقد دفع لي للقيام بهذا العمل البسيط عشرة جنيهات ستصرف كلها عليك وعلى ملابسك"(94) .

        وضمن تبرير القهر الاجتماعي أو الاقتصادي نعثر في الرواية الفلسطينية على نماذج قليلة لنسوة يستسلمن ، ويتنازلن عن أجسادهن في سبيل إعاشة أسرهن ، ففي رواية (الشوارع) التي تدور أحداثها في مخيم (عين بيت الماء) في منطقة نابلس في مرحلة الستينيات ، نجد (سليمة) التي تعاني قسوة العيش ، تفرط بجسدها من أجل  الخبز ، بحسب رواية الفتى (زكي) الذي يبيع الكعك في المدينة : "لم يحتاجني بيع ما تبقى من الكعك كثيراً من الزمن ، فعدت للفرن مبكراً ، وأنا أطأ العتبة ، سمعت في الداخل حركة ، خرجت سليمة على أثرها ، مشعثة الشعر ، مكشوفة الصدر ، يرشقها الطحين ، تدحدل أبو محمد ببنطاله ذي العلاقتين من ورائها ، وهو يمط بسمة رخوة

أسفل شاربه الكث ، فهمت مغزاها ، قذف بين ذراعي سليمة رغيفين وهي واجمة ، تحدق بي ، ثم انطلقت تجري في طريق السفر بعيداً عن المخيم .

بعد أيام عرفت أنها عادت مرة أخرى ، فطار صوابي ، هددتها ، فوعدتني أن تقلع عن فعلتها ، لكنها عادت ثانية ، طلب أبو محمد أن أعطيها بنفسي الرغيفين ، وطلبت مني ألا أقول لأحد إذا ما عادت مرة أخرى فالجوع أقوى ...

وسمع أهل المخيم نواح أم سليم ، بكت الأم ، ولطمت وجهها ، وراحت تضرب سليمة بالقبقاب على رأسها ، وبين النواح والصياح أعلنت منها براءتها ، ولفترة طويلة لم يعد أحد يرى وجه سليمة ، قال البعض إنها انتحرت ، وقال البعض أنها تعمل في عمان راقصة ، ولم يعد أحد يقترب من بيت أم سليم ، فهو في اعتقادهم بيت           لا شرعي ، وكل تابع له لا شرعي ، وهم ينأون عن بيت الحرام"(95) .

في رواية (الأعمى والأطرش) لغسان كنفاني يطالعنا نموذج (زينة) المرأة اللاجئة التي فقدت معيلها حين مات تحت حمولة شاحنة أفرغت فوقه ، لتتحمل مسئولية الإنفاق على أطفالها الأربعة ، لكنها لا تملك سوى بطاقة التموين التي تؤَمن لها الفتات من الطحين والفول والعدس والحليب ، غير أن إخبارية نقلها أحد جواسيس وكالة الغوث مفادها أنها تعمل خادمة بمرتب مائة ليرة في الشهر أدت إلى شطب اسمين في بطاقة إعاشتها لتعاني المزيد من الشقاء والبؤس ، والعذاب : "جاءت تولول عند مصطفى ، وتقول أنها وأولادها سيموتون جوعاً ، كانت ما تزال شابة قوية ، ووعد مصطفى أن يدبر المسألة"(96) .

  غير أن مصطفى الذي يستغل سلطات عمله يخدعها مقايضاً الخبز بالفراش ، مستغلاً عوزها وانسداد الطرق في وجهها ، فتضطر أن تبيع جسدها له ، لكنه لا يعيد في النهاية سوى حصة واحدة من الحصتين المسلوبتين . لتجد نفسها محاصرة بالمزيد من القهر والمرارة : "كانت تتحدث إلى والدموع تملأ عينيها ، إلا أنني لم أكن لأفهم شيئاً ، وفجأة اصطدم بصري بمصطفى الذي كان جالساً وراء طاولة قبالتي يسترق النظر دون أن يتحرك ، فأشرت لها أن تذهب إليه ، ولكنها دون أن تنظر إلى حيث أشرت

أخذت تهز رأسها رافضة ، وهي تصرخ ، وشرع طفلها يصرخ ، ودون توقع مني بدأت دموعها تنهمر وكأن أبواباً موصدة أمام عينيها قد فتحت فجأة على مصاريعها"(97).

وإذا كانت (زينة) لا تملك القدرة التي تمكنها من التصدي لأولئك الذي يحاصرونها في مصدر الإعاشة الوحيد لصغارها الجائعين فإن (وفاء) في رواية (أقوى من الجلادين) تقاوم ذل الواقع ، وتعاسة الحياة في المخيم من خلال الكد ليل نهار في بيوت الموسرين لتربي طفلها الوحيد منتظرة عودة زوجها الأسير لدى العدو ، رافضة إغراءات (عباس) - الذي يمتلك دكاناً في المخيم - ومحاولاته التي لا تنقطع من أجل الإيقاع بها مستغلاً فقرها ، وحاجتها ، وعندما يتسلل في ليلة مظلمة محاولاً الاعتداء عليها ، تدافع عن نفسها لتقتله بسلاحه ، لتغدو فخر أهل المخيم(98) .

ورغم ذلك كله فإن الرواية الفلسطينية ترصد شريحة في المجتمع لا تزال تخشى من خروج المرأة للعمل ، وتعد ذلك عاراً وعيباً .

فالسيدة (ألفت الزيتوني) في رواية (عكا والرحيل) تجلب لها ريادة العمل النقابي في عكا في فترة مبكرة من القرن العشرين المعاناة والاتهامات والإهانات حتى آخر لحظات حياتها : "نذرت نفسها أكثر من أربعين عاماً للاتحاد ، ولنساء عكا ، وخديجة تعرف أكثر من غيرها مقدار ما تعرضت له من معاناة وعذاب ومشاكل وإهانات واتهامات قبل أن تنجح في إخراج وليدها بكل ما في الكلمة من معنى إلى النور. أقل تهمة وجهت إليها أنها عاهرة ، وأن الفرع هو ستار لبنات الهوى ، في بعض القرى رجموها بالحجارة ، وأطلقوا الكلاب في أثرها . في خربة الراعي كادوا يغتصبونها لولا أن أنقذها الشيخ موسى ، قالوا أنها ربيبة الشيطان وعميلة الانكليز ويهودية ، وحتى الآن لا يزال هناك رجال يبصقون على الأرض عندما يرونها ، ولا تزال عكا تتندر بقصة الهجوم الذي تعرضت له الصيف الماضي عندما أقدم أبو زليخة على اعتراضها ، وتمزيق ملابسها بحجة أنها المسؤولة عن هجر امرأته له . حرمها الله الأبناء ، فوجهت كل حبها وحنانها إلى الفرع"(99) .

وعندما تموت السيدة (ألفت) بعد أن سلخت عمرها في تأسيس فرع الاتحاد النسائي في عكا ورعايته لا يشترك في تشييعها غير أقاربها وبعض الأصدقاء ، ليلاحقها النكران والجحود حتى بعد وفاتها(100) .

أما الفتاة (جنان) في (بوصلة من أجل عباد الشمس) فتتجاوز بانخراطها في العمل بين أناس المخيم الشعارات الثورية ، لتعيد صياغة أحاسيسها ، لذا نجدها تساهم في إنشاء بعض المراكز التي تقدم خدمات ثقافية وصحية لنسوة المخيم ، تعايش الناس في بيوتهم، ولكنها تظل عاجزة عن حل المشاكل التي تجثم على الملامح والوجوه .

وعبر تعاملها مع نساء المخيم تلاحظ مدى خوف الناس ، وقلقهم على بناتهم اللواتي يعملن معها ، واللواتي بدأن يكتسبن معارف ، ومهارات جديدة بدأت تؤثر على شخصيتهن : "عملنا ما يزال يعاني نقصاً في الكوادر ، والبنات حين يتعرفن على أنفسهن في العمل معنا يسارع أهلهن إلى تزويجهن خوفاً على مصلحتهن من القيل والقال"(101) .

أما من تبقى من رفيقاتها فإنهن موزعات بين العمل ، أو البحث عن زيجة مناسبة مريحة ترفع من مستواها المعيشي : "الحالات المميزة بين الرفيقات تدعو إلى المزيد من التأني أو الدراسة . فمن تفلت من إسار الزوج المحبب أو القسري لابد أن تعاني من تعنت الأب أو تزمت الأقرباء ، وعلى من تتبقى وتستمر أن تكون خبيرة في الإسعاف والدفاع المدني ومحرضة سياسية وموزعة نشرات وموجهة اجتماعية ، وأن تعقد أفضل العلاقات مع الجميع ، كل هذا في آن واحد، وهذا يعني أيضاً تمرساً بالعمل واستعداداً دائماً لتحمل الخسارات الكبيرة"(102) .

عمل المرأة حتى لو كانت مثقفة لا يشفع لها أحياناً ، فهذه سعاد المعلمة في مدرسة مخيم خانيونس في رواية (وإن طال السفر) تساق قسراً إلى أول رجل يتقدم طالباً يدها من أبيها ، وبعد طلاقها منه كانت وظيفتها هي العامل الذي خفف من وطء هجمة أبويها عليها : "لقد ترك زواجها وطلاقها أثراً سيئاً في نفسها ، رفضت كل عريس تقدم لها رغم إلحاح والديها وضيقهما من عدم زواجها ، ولم يسكتهما إلا كونها

موظفة تعطيهما الجزء الأكبر من مرتبها"(103) .

بل أن بعض الأزواج يرون فيما تجنيه المرأة مقابل عملها أمراً يخصه هو لا هي ، من منطلق أن لهم حقاً مشروعاً في استعبادها ، والتصرف بمرتبها ، وعلى المرأة أن تظل منقادة لا تملك أن تتصرف بأي جزء من معاشها : "حتى الجزء الذي كنت أقتطعه من المرتب ، وأعطيه لوالدي منعني من إرساله بعد ستة أشهر من الزواج، وقال لوالدي : أمامكم المحاكم ، زوجتي وأنا حر فيها .. لم يكن يهمه شيء حتى لو قلبت الدنيا بمن فيها مادامت بعيدة عنه ، يتصرف بعقلية رجل خرف يتصور المرأة لعبته ، خادمته ، قطعة من الأثاث ينقلها من مكان لآخر"(104) .

وهناك قسم من الأهل ممن يرفضون أن يتسلموا أية مساعدة مادية من عمل البنت إيماناً منهم أنه من العيب أن تعتاش الأسرة على معاش ابنتها ، فهذه (نهاد) في (البكاء على صدر الحبيب) تصل بها الأمور حد خشيتها من إرسال أي دعم مادي لأبيها المحتاج لأنها تعرف ردة فعله الحادة : "بعد أن استشهد شقيقي كنت أقتسم جزءاً من مخصصي لوالدتي ، ذلك أن والدي لا يمكن أن يقبل مساعدة مني وأنا فتاة ، وكنت أعرف ما سيقوله لو أرسلت له نقوداً : باطل . وصلت إلى هذا الحد ، أنا أعيش من نقود البنت"(105) .

لقد كان لخروج الفتاة الفلسطينية للعمل خاصة بعد النكبة دوره الهام في مشاركتها تسيير حياة الأسرة ، وتخفيف أعبائها الاقتصادية ، فهذه (فجر) في الرواية نفسها تلتحق بالثورة مدعومة بثقافتها وقوة شخصيتها ، لتعمل على مساعدة أسرتها بعد أن أعلمها أبوها باعتقال شقيقها الكبير عبد السلام : "يا إلهي ، كيف ستصمد أمي ، وكيف سيواجه أبي هذه المأساة ، سوف تواجه الأسرة عوزاً حقيقياً بعد اعتقال عبد السلام ، لذا قررت أن أرسل لهم بعض المال .. لقد حصلت على مخصصاتي عن الأشهر السابقة ، سوف أستغني عن قسم من هذا المبلغ للأسرة ، كل إخوتي في المدارس ، ويحتاجون لمصاريف باهظة"(106) .

أما (ندى) في رواية (العشاق) فتعمل معلمة في مدرسة بنات المخيم في منطقة

أريحا لتساعد أباها الذي صعقته وفاة أمها لكنه يتظاهر يتحمل الصدمة(107) .

العمل يمنح المرأة الفلسطينية التوازن النفسي الذي تفتقده كما يشعرها بالتفوق، فخديجة الصالح في (عكا والرحيل) تقرر بعد سنوات من الزواج أن تعود الحياة العامة في عكا حيث تحس أنها قد اكتسبت المزيد من النضج والخبرة والقدرة على العطاء وذلك في الثلاثينات من القرن الماضي : "أشرقت على فرع التعبئة في اتحاد المرأة ، كثرت   جولاتها ، ومهامها في قرى القضاء، ونجحت في تنسيب أعداد لا بأس بها من النساء ، وفي افتتاح دورات لمحو الأمية -في شهور الإضراب والثورة لسنة 1936- أقامت أربع دورات شاركت فيها خمسون امرأة ..اعتبرت خديجة ذلك نصراً شخصياً لها"(108) .

اهتمام المرأة بهموم مجتمعها يعطيها الإحساس بقيمتها ، فالفتاة (شهد) في (بوصلة من أجل عباد الشمس) التي لوحقت ، وطوردت في عملها بالفصل المهين أكثر من مرة بسبب تمسكها بمبادئها الثورية لا تهادن ، أو تنكسر ، حيث يزودها احتضانها لقضايا شعبها الثقة والشجاعة ، بحيث تبدو شخصيتها متكاملة تتماشى أقوالها مع أفعالها كما في رسالتها لصديقتها جنان : "كثيراً ما أجد نفسي في موقع بلهاء حقيقية، وكأني غير قادرة على معرفة ما يدور حولي ، فالذل الداخلي يجعل تعامل الإنسان مع جميع الأشياء صعباً ، أنت تعرفين وضعي حينما أعجز عن إيجاد عمل جديد ، ولكن الأمور تعود إلى سيولتها وعاديتها حينما أنزل إلى  البقعة كي أشارك في الجهود المبذولة هناك لإقامة المستوصف الشعبي"(109) .

أما (جنان) فتتفق مع صديقتها في أن وضوح الرؤية يزداد لديها كلما انصهرت في المجموع ، بحيث لا تعاني أية صدمة من جراء المفارقة بين الحلم والواقع ، فمن خلالها تمرسها بالعمل بين أناس المخيم البسطاء تتبخر هواجسها الفردية التي تشل    قواها ، وتشتت أفكارها معتمدة على عقلها ، وإرادتها في إثبات ذاتها : "هذه الطريقة العصبية في النظر إلى الأمور لا تراودني إلا حينما أكون وحدي ، إنها لا تقترب مني عندما أكون في المركز وسط أم محمود وجاراتنا أعلمهن وضع الضماد على الجرح ،

أو فك الحرف الذي استعصى عليهن دوماً كي لا يكتبن الرسائل لأحبائهن كما قال     أهلهن ، وأنها تبتعد عني حينما اقرأ وإياهن أسماء مدننا الغائبة على الخارطة أو عندما أنهمك بشرح الوضع السياسي"(110) .

* * *

مما تقدم يمكن قول أن الرواية الفلسطينية قد استقصت العديد من الشخصيات النسوية العاملة على اختلاف أماكن تواجدهن ، وتنوع أعمالهن ، تأكيداً على أن خروج المرأة للعمل هو الذي يعطيها الثقة بنفسها ، ويساهم في تحويلها إلى شريك كامل في بناء المجتمع وتطويره ، بحيث وجدنا كثيراً من النماذج النسائية الكادحة التي تحملت مشاق العمل داخل البيت وخارجه ، بغرض تسيير حياة أسرتها ، والتخفيف من أعبائها الاقتصادية ، خاصة في حالات استشهاد معيل الأسرة ، أو غيابه ، منتزعة لقمتها ولقمة أولادها في شمم وكبرياء ، رغم القهر الاقتصادي والاجتماعي ، مقابل ذلك نجد انحساراً ملحوظاً في الروايات الفلسطينية المدروسة للنماذج النسائية الضعيفة التي تتنازل عن كرامتها وشرفها بدعوى الفقر والعوز وحاجة الصغار .

      لقد أعلت الرواية الفلسطينية من قيمة عمل المرأة ، بحيث وجدنا نماذج لنساء تجاوزن الشعارات الثورية بأعمال جادة تعود بالنفع على نساء شعبهن ، تدعمهن ثقافتهن، وثقتهن بقدراتهن ، مما ساهم في منحهن المزيد من  الوضوح والإصرار على إثبات الذات .

ومع ذلك نجد الرواية الفلسطينية تتعرض لشريحة في المجتمع الفلسطيني لا تزال تبدي خشيتها من خروج المرأة للعمل - حتى لو كانت مثقفة متعلمة - لأسباب تعود في أغلبها إلى العُرف الاجتماعي المتوارث ، بحيث تعمد تلك الشريحة إلى الحيلولة دون عمل المرأة ، بتزويجها قطعاً لدابر تقولات الآخرين .

وفي الوقت الذي تتبع فيه  الرواية الفلسطينية الأزواج الذين يرون فيما تجنيه المرأة مقابل عملها حقاً مشروعاً لهم ، يخصهم دون زوجاتهم ، تحفل الرواية بصور بعض الأهل الذين يرفضون أية مساعدة مالية من بناتهم العاملات من منطلق أن ذلك يشكل أمراً معيباً .

 

خامساً : النضــال :

 

حرص الروائي الفلسطيني على إبراز كثير من أشكال نضال المرأة الفلسطينية، حيث تعددت تلك الأشكال تبعاً لمراحل الواقع المعيشي ، كما أسلفنا في الباب الأول ، ومن أهم الصور النضالية النسوية التي حفلت بها الرواية الفلسطينية :

 

1 ـ التشبث بالأرض :

ففي رواية (على سكة الحجاز) التي كتبت في مرحلة مبكرة تتصدى (زينب) - زوجة محمد الواسطي الغائب في الجندية - لأميل بك ، أحد رموز الخيانة ، ومالك قرية ستة ، الذي قدم محاطاً بزمرة من رجال الشرطة لتنفيذ أمر طرد المزارعين من أرضه ليبيعها لليهود خالية خاوية ، وفي الوقت الذي يتلجلج فيه أهل القرية ، ولا يدرون ما يفعلون تنبري (زينب) للدفاع عن الأرض ، وإفساد صفقة البيع الملوثة مستنهضة همم الرجال "فبينما يعلو العويل ، ويشتد هدير المالك متوعداً مهدداً ، إذا بصوت يعلو ذلك الضجيج، ويسترعي إلى صاحبه الأنظار ، وإذا هي امرأة منهم تقود فتاة لم تتجاوز التاسعة من العمر وتقول : يا قوم . يا قوم إذا كنتم ترون الموت ينتظركم خارج هذه البيوت التي عشتم فيها أنتم وآباؤكم وعمرتموها بأيديكم ، وأيديهم، فلماذا لا تنتظرونه فيها ، وتتكلون على الله"(111) .

تتبع (زينب) القول بفعل التصدي دفاعاً عن الأرض ، ليقتلها إميل بعد أن رأى انهيار مخططاته ، مما يهيج عليه أهل القرية ، فيفر من ا لمكان في الوقت الذي يعلن فيه المزارعون تشبثهم بالأرض(112) .

في رواية (عكا والرحيل) تقرر خديجة حرق بيتها الكبير الذي عاشت فيه أربعين عاما - بكل ما يحمله البيت من ذكريات حميمة - حتى لا ينتفع به اليهود الذين أمروا بإخلائه تمهيداً لمصادرته بعد شهور من نكبة 1948 بحجة إعادة تنظيم عكا الجديدة الخالية من العرب . وعندما يصدر الحكم بسجن زوجها لمدة عامين ونصف بتهمة إحراق البيت ، تتجاوز (خديجة) قسوة الواقع مؤكدة على اعتزازها بما فعلت :

"السجن للرجال يا أولاد ، ما عملناه شرف لنا ، لأننا قررنا أن لا نترك بيت  الصالح لليهود يستولون عليه ، ويرموننا في زريبة ، رفعنا رأسنا عالياً وجعلناهم يفهمون أن جوزتنا لا تنكسر ، أبوكم مثله مثل كل رجال فلسطين ، ونحن مثلنا مثل كل الفلسطينيين وأكثر من القرد ما مسخه ربه"(113) .

في رواية (حفنة رمال) تطالعنا شخصية (هناء غزاوي) التي فقدت زوجها في حادث ، فرّبت ابنها (ثابت) حتى صار زعيماً لقرية النعاني معروفاً بخصاله الطيبة ، وعندما بدأ اليهود في إنشاء مستعمرات لهم بتشجيع من الحكومة البريطانية ، أقاموا مستعمرة (هاديف) قرب النعاني ، وخططوا لتوسيعها من خلال شراء أراضي من القرية، ليجابههم (ثابت) بموقف وطني شكل عقبة في سبيل إتمام مخططاتهم ، لذا عملوا على نصب المكائد له بقصد تشويه سمعته أمام أهل قريته ، لتتوجه (هناء) إلى ابنها تحثه على التمسك بالأرض ورفض إغراءات المال الصهيوني : "لا أريد أن ينجح اليهود معك فيما فشلوا مع أبيك منذ عشرين سنة ، جاءوا اليوم يعيدون الكرة في محاولة شراء أراضي جديدة يضيفونها إلى حدودهم ، وهذا كل غرضهم منك ، فحذار أن تقع فريسة شباكهم ، لقد ترك لك أبوك اسماً تفخر به على جميع أهالي القرية ، فلا تفرط في هذا الاسم ، ولا تدع العدو ينفذ إلى أغراضه بواسطتك"(114) .

في اللوحة الثالثة من (سداسية الأيام الستة) نتابع (أم الروبابيكا) المرأة الفلسطينية التي أصرت على البقاء في أرض الوطن مع أمها المقعدة حين نزح زوجها وأولادها إثر نكبة 1948 ، وظلت تصون بيتها ، رافضة أن تهجر ، تحتضن المتبقين بابتساماتها رغم ما تعانيه من شظف العيش وغمزات البعض بأن بقائها راجع إلى حكاية حب ، وطوال عشرين سنة ظلت المرأة تعتاش على المتاجرة في الأمتعة التي تركها أصحابها، ورحلوا بعد أن تفتش في داخلها عن تذكارات منسية تعتبرها كنوزاً تربطها بخيوط الماضي ودفء علاقاته الإنسانية : "لدي حزمات من أنوار الصبا ، رسائل الحب الأول ، لدي قصائد خبأها فتيان بين أوراق كتب مدرسية ، لدي أساور وأقراط وغويشات ، لدي عقود تتعلق بها قلوب ذهبية إذا فتحتها وجدت فــي القـلب

الذهبي: صورتين له ولها، لدي يوميات بخطوط دقيقة حيية وبخطوط عريضة واثقة"(115).

تكتشف (أم الروبابيكا) بعد نكبة 1967 أن ابنها الذي لم تره منذ النكبة الأولى معتقل في سجن الرملة بتهمة المقاومة ، فتعود من زيارتها له يملؤها الفخر والحماسة وكأنها تريد أن تقول لمن حولها : "هؤلاء أولادي ، فأين أنتم"(116) .

في الوقت الذي يزداد فيه إصرارها على الاحتفاظ بكنوزها من التذكارات التي جمعتها، فكانت زادها في معركة التشبث بالأرض ، وإثبات الذات يتنامى فيها الإيمان بقرب عودة أصحاب تلك التذكارات متجاوزين الهزيمة والعجز .

2 ـ التعبئة والتحريض :

 

تمثل (أم سعد) نموذجاً للمرأة المضحية التي تحرض أولادها ، وأناس المخيم على فعل المقاومة ، فعندما يسجن ابنها (سعد) الذي ودعته صبيحة حرب 1967 بالزغاريد حينما خرج مع رفاقه بنية قطع الحدود ، ومحاربة العدو ، تطلع بحكمتها التي تعتبر خلاصة تجربة كفاحية ممتدة ، فجميعنا مسجونون ما دمنا نرضى بالواقع المزري ، وَمَنَافي القهر ، بل أن السجن أفضل من التنازل عن القضية المصيرية: "أتحسب أننا لا نعيش في الحبس ؟ ماذا نفعل نحن في المخيم غير التمشي داخل ذلك الحبس العجيب؟ الحبوس أنواع ، المخيم حبس ، وبيتك حبس ، والجريدة حبس ، والراديو حبس ، والباص ، والشارع ، وعيون الناس ، أعمارنا حبس ، والعشرون سنة الماضية حبس ، والمختار حبس ، أنت توهم نفسك يا ابن العم بأن قضبان الحبس الذي تعيش فيه مزهريات ، فلماذا تعتقدون أن سعد هو المحبوس"(117) .

ورغم قتامة الواقع لا تفقد (أم سعد) إيمانها بالفرج القادم على يد الجيل الذي تساهم في تعبئته ، خاصة بعد أن رأت ولديها سعداً وسعيداً وشباب المخيم يحملون السلاح، لتطالعنا في الختام الدالية اليابسة التي زرعتها بعد أيام من ذل حزيران 1967 ، وقد برعمت ، وشقت التراب برأسها الأخضر في إشارة تحمل الكثير من الأمل واستشراق المستقبل ، فبعد الانكسار يأتي النهوض والنماء(118) .

   في (العشاق) نتتبع (أم حسن) التي تحولت إلى كتلة من التحريض بعد أن قتل اليهود أخاها (أبا النعمان) الذي كان صديقها وشقيقها ووالدها وابنها ، وقــد ساهـم في تعميق العلاقة بينهما غيرة أخيها على مصالح الآخرين برفضه التواطؤ مع أولئك الذين اتبعوا معه - دونما جدوى - أساليب الترغيب والترهيب من أجل سرقة تموين اللاجئين ، فعندما تدخل علي ابنها ومحمود يكفان عن الكلام ، حيث كانا يخططان لعملية ضد جنود الاحتلال : "سألتهما : لماذا كففتما عن الكلام ؟ قال حسن : إننا يا والدتي نتحدث في أمور خاصة .

هزت رأسها وهي ترفع جذعها وقالت : أمور خاصة ، ولكنني أعرف كل أموركم الخاصة .

فكت العصبة من حول رأسها الشائب ، قالت تخاطبهما :

- إذا كنتما ستفعلان ما أفكر به ، فسوف أخلع ثياب الحداد .

نهض محمود ، ضغط على منكبيها .

- يا أم تستطيعين أن تخلعي ثياب الحداد .

عندئذ أخذت ابتسامتها تتسع ، ومن عينيها سالت دموع غزيرة لم يعرف محمود إن كانت دموع حزن أم دموع فرح"(119) .

في رواية (وإن طال السفر) تبرز شخصية (سعاد) المعلمة التي تغلبت على ذكريات الفشل والإحباط التي خلفها زواجها الأول عندما التقت بحبيبها سلطان ، وتزوجته بملء رغبتها ، ليتسع اهتمامها بقضايا الوطن ، فلا تتردد في مشاركة زوجها في طباعة نسخ جريدة المقاومة السرية في البيت ، ورغم استشهاد شقيقها (عصام) الحبيب إلى نفسها تظل مواظبة على طباعة الجريدة ، تحرض زوجها على المقاومة وعدم التوقف مرددة أمامه في ثقة "لن ينتهي حزني حتى يأخذ الموت معناه الحقيقي بالنسبة لكم ، لست الخنساء أو الفارعة حتى أمكث العمر كله أرثيه ، موت عصام مثل استشهاد أي فرد منّا له معناه الكبير ، وليس حالة خاصة ، لست حزينة يا سلطان إلا إذا أحسست أنكم توقفتم ، وقتها أحس بمدى خسارتي"(120) .

في (بوصلة من أجل عباد الشمس) تختار (شهد) موقعها المتمثل في تعبئة الآخرين بعيداً عن الثرثرة الجوفاء ، لتضع الملصقات على حيطان المعهد الذي تدرس فيه ، وحينما تسألها صحيفة أجنبية وسط لفيف من الطلبة والطالبات عما تود أن تفعله في المستقبل أجابتها بأنها لن تحافظ على موقعها حينما يكون المصير جماعياً(121) .

لذا نجدها تحقد على جسدها الأنثوي الذي تعتقد أنه يمثل المانع أمام انخراطها في المقاومة : "لم أعد ألبس إلا البنطلون الكاكي ، وعرفت موقعي عبر المهمات المتتابعة معسكرات طلابية ، جمع تبرعات ، شرح المواد التحريضية وتوزيع المنشورات السياسية"(122) .

في الرواية نفسها نعثر على (ثريا) التي تحب جعفراً ، لكنها لا تملك القدرة على التعبير عما في داخلها، حيث خوفها من ردة فعل أهلها وحواجزهم ، وعندما يستشهد جعفر في عملية ضد العدو ، يطرأ تغيير كبير على ثريا ، لتعود إلى الوطن وقد غيرتها التجارب، لتنخرط بالناس ، وتعمل على تعبئتهم "توزع أعلاماً فلسطينية صنعتها أمها الخياطة من الأقمشة الحمراء والخضراء والسوداء والبيضاء، ثريا ابنة بائع الحلوى الهرم تندفع خلف عشرات الأجساد البشرية، يصعقها الغضب والتمرد والاحتجاج.. استيقظ الزمن فيها شيئاً فشيئاً، وعرفت أن موت الشهيد لم يلغ وجودها"(123) .

        في (عكا والرحيل) نطالع (خديجة) وهي تشارك اتحاد المرأة في عكا في مظاهرات نسائية احتجاجاً على الهجرة اليهودية  المتزايدة لفلسطين "وعندما وصلت المظاهرة إلى أحد مكاتب العمل اليهودية في طلعة الباب الغربي راحت المتظاهرات يرشقنه بالحجارة ثم حاولت بعضهن اقتحامه ، عندئذ تدخل رجال الشرطة لتفريقهن ، فوقعت اشتباكات ، أصيبت خلالها (خديجة) بضربة هراوة في بطنها ، مما اضطر الأطباء إلى إجراء عملية إجهاض لها ، إذ كانت حاملاً في الشهر الثالث"(124) .

3 ـ حمل السلاح والمقاومة :

في اللوحة السادسة من (سداسية الأيام الستة) (الحب في قلبي) نتلمس مــن

خلال الرسائل التي هربتها إلى أمها الفتاة المقدسية فيروز المعتقلة في سجن الرملة حجم تفاؤلها ، وثقتها بالمستقبل ، بالرغم مما تتعرض له من تعذيب وإهانات ، بسبب اتهامها بتهريب السلاح والتستر على حامليه .

ومن خلال سطور الرسائل نتعرف على رفيقتها في غرفة السجن الفتاة الحيفاوية السجينة منذ حرب يونيو 1967 بتهمة مقاومة المحتلين ، لتكتمل ملامح الصورة ، وأبعادها عبر العلاقة الحميمية التي ترعرعت من خلال المعاناة المشتركة بين فيروز اللاجئة ، ورفيقتها الباقية الرافضة لواقع التذويب الذي تحاول أن تكرسه إسرائيل ، وحديث ممتد عن المقاومة والفردوس المفقود وحلم العودة(125) .

        أما (ندى) الفتاة المثقفة التي أحبت محموداً في (العشاق) فتنتقل شيئاً فشيئاً إلى مرحلة النضال بقناعة تامة ، حيث يكلفها محمود بنقل رسالة إلى القيادة في عمان حول عمليات المقاومة التي خاضوها في منطقة أريحا ، مع الطلب إليهم بتزويدهم بالتوجيهات والسلاح ووسائل الاتصال(126) .

      تقدم رواية (برقوق نيسان) صورة مشرقة للفتاة الفلسطينية (سعاد الوقاد) خريجة قسم  العلوم السياسية في جامعة دمشق التي أبدت قدرات تنظيمية مدهشة حين كلفت ببناء خلية في نابلس ، مما أهَّلها أن تصل في فترة وجيزة إلى مرتبة قيادية ، وعندما يقبض الإسرائيليون على إحدى رفيقاتها ، يدفعها وعيها الثوري إلى طلب مشورة المناضل القديم (زياد) متناسية الخلافات الحزبية التي ميزت علاقتهما السابقة(127).

في رواية (النهر الغريق) يقرر (صالح أبو وردة) أن يتوقف عن دراسة الطب في إسبانيا أثر هزيمة 1967، لينضم إلى الكفاح المسلح عابراً نهر الأردن إلى الأرض المحتلة في أكثر من عملية عسكرية ، متجنباً إبلاغ أمه التي تحلم أن تكون أم الدكتور صالح وليس الفدائي مصلح- بالأمر : "أمي تحب فلسطين ، وتحب الفدائيين ، أنا متأكد من ذلك ، لقد كان زوجها - أبي- فدائياً ، لكنني أحتم أنها ليست مؤهلة لأن تكتشف أن ابنها الذي شقيت من أجل تعليمه قد أصبح فدائياً وقد يموت في كل لحظة"(128).

غير أنه يكتشف أن أمه كانت تعلم كل شئ عنه رغم الرسائل المفبركة التي كان يرتب وصولها من أسبانيا عبر أكثر من عنوان .

فعندما تعبر مجموعة الفدائيين التي يقودها (صالح) الأرض المحتلة لتتمركز في إحدى مغارات طوباس -بلدته- تمهيداً لعملية عسكرية ، تقدم (أم صالح) على قتل العميل (السلاخي) الذي اكتشف مخبأ الفدائيين في المغارة ، حيث تسلل إليها مع إحدى العاهرات ، ليقوم يحيى -شقيق صالح- الذي طُلب منه استطلاع المكان بطردهما .

"قالت أم صالح لأبي خالد :- لو لم أخرس السلاخي ، وأعطله عن الوشاية بالشباب لكان ابني صالح ضحيته الأولى .

سألها أبو خالد : وكيف عرفتِ أنه معهم ؟ ألم أحضر لك منذ شهر رسالة منه من إسبانيا ؟ هل أصبح صالح الخضر الأخضر فدائياً وطالباً في الوقت نفسه ؟

ردت قائلة : - ابني صالح الله يرضى عليه ترك إسبانيا منذ سنتين ، وهو الآن في البيارة ، ولا أريد أن يعرف أنني أعرف ذلك ، لقد حاول أن يراعي مشاعري ، ويطمئنني ، ومن جهتي أحاول مسايرته ، لأضمن وصول مكاتيبه"(129) .

        لذا نجدها في غمرة مساندتها لأفراد المجموعة تتجنب السؤال عن صالح ، أو  الإشارة إلى معرفتها بتواجده .

في رواية (أسطورة عيد الميلاد) نلتقي بالفتاة المناضلة (رمزية) التي يوكل إليها، وإلى رفيقها (أبي اليزيد) - في مرحلة اندلاع المقاومة المسلحة في قطاع غزة أواخر الستينات - مهمة تصفية شقيقها الخائن (لافي) الذي باع نفسه مع زوجته للعدو.

ولأن (رمزية) تعرف تماماً ما فعله أخوها (لافي) فإنها تقبل بالمهمة ، ولا تتوانى عن أداء واجبها الوطني ، ولا تضعف أمام توسلات أخيها ، وفي أثناء الانسحاب تشتبك مع جنود الاحتلال لتسقط شهيدة فوق تراب الوطن(130) .

        في (البكاء على صدر الحبيب) نعثر على نماذج عدة لنسوة يحملن السلاح ، ويشاركن في الدفاع عن الثورة مزودات بالعلم والمعرفة .

فالفتاة (نهاد) تلتحق بمعسكر التدريب مع الشباب لتعاني الكثير بسبب ذلك كونها الفتاة الوحيدة بينهم ، حيث يُنظر إليها كمجرد جسد من الكثيرين ، لكنها تستمر على  

موقفها ، وتعبر (الأغوار) مع إحدى المجموعات المقاتلة في عملية كان يغطيها خطيبها (صالح) أعظم رامي دوشكا في المقاومة "هاجمنا كميناً وراء النهر ، وكـان هـو فـي الضفة الشرقية ليغطي اقتحامنا ، ظللنا لابدين حتى نزلت مجموعة من الجنود من الناقلة ، وأخذوا يضحكون ، ويرطنون وفي لحظات لم يبق منهم أحد ، الرصاص يئز والرمال تتطاير ، ويحتك الصراخ بأوامر قائد المجموعة ..

أخذت القذائف تتساقط قريبة منا ، صرخ قائد المجموعة غيروا مواقعكم من أجل الانسحاب ، وأعطى إشارة لصالح  فجاء صوت الدوشكا .. استشهد قائد مجموعتنا وجرحت أنا … استشهد رامي الدوشكا وهو يحمل جثة قائد المجموعة بعد أن عبر الشباب النهر ، لم ير قائد المجموعة ، ولم يرني ففقد صوابه ، استطاع إنقاذي، كنت فاقدة الوعي، وعاد يحمل صديقه قائد المجموعة ، ولكنه ظل هناك"(131) .

        كما نلتقي في الرواية نفسها (هناء) و(فجر) اللتين تحملان السلاح دفاعاً عن المخيمات في لبنان ، وعندما يزداد قصف الرشاشات والمدافع التي تحمل الموت من المدينة الرياضية يطلب (غالي) من الفتاتين أن تنسحبا زحفاً إلى زاوية أحد البيوت، كي يضع خطة عملية اقتحام عسكرية مدروسة تطهر المدينة الرياضية لكن (هناء) تأبى الانسحاب ، لتسقط على الدرب ، وبندقيتها بين يديها(132) .

        الفتاة (جنان) في (بوصلة من أجل عباد الشمس) تشارك الشباب في الدفاع عن المخيم مخاطرة بحياتها من أجل واقع أفضل : "قبل قليل حملت سلاحي في طريقي إلى المركز ، تسللت مع مجموعة من الشباب بين الأزقة ، وكانت الدبابة هناك حشرة ضخمة أسطورية واسعة تومض بشاعة وسطوة وتسلطاً .. استعداد . قالوا . حركت زناد الإطلاق استعداداً لوضع حبة الفشك في بيت النار"(133) .

        ورغم ذلك هناك من ينظر بعدم الرضا لمشاركة المرأة الرجل في حمل السلاح أو التدرب عليه من منطلق "أن المجتمع الذي قد يعجب في بعض الأحيان بصورة المرأة المناضلة لا يستسيغ ، ولا يقبل تحمل ما يفرضه وجود امرأة كهذه من تغيير في أنماط السلوك إزاءها ، وفي أنماط التعامل معها"(134) .

فالفتاة (نهاد) التي تركت أهلها في رواية (البكاء على صدر الحبيب)، وانضمت إلى معسكر المقاتلين من الشباب لم يرحمها المجتمع "كنت الفتاة الوحيدة ، وقد عانيت ، تعاملوا معي في البداية كامرأة، ولكنني فرضت عليهم نسيان صدري ، والتعامل مع عقلي ، وإرادتي ، شقيقي جاء إلى المعسكر ، وحاول طعني بسكين كان يحمله من أجل التخلص مني .. قلت له : انظر هؤلاء الشباب جاءوا من كل مكان ومن الأقطار العربية نيابة عنك ، وأنت مريض تظن أنني أهينكم إذا أحمل السلاح وأتدرب معهم"(135).

وليس بعيداً عن ذلك موقف (جاسم) من خطيبته (سناء) في (بوصلة من أجل عباد الشمس) الذي منعها من  الذهاب إلى مركز التمرن على السلاح تكريساً للضوابط التي تفرض على المرأة أن تظل ضمن نطاق البيت : "كان خطيبي جاسم في البيت ولم يعجبه أن أتركه من أجل الذهاب إلى المركز ، قال لي : السلاح زينة الرجال ، ولم يكن يوماً زينة النسوان ، أنا إذا حملت السلاح أو أخوك أو جارنا فهذا شئ يرفع الرأس ، أما أنت وبقية البنات فإن ما ينقصكن هو أن تحملن السلاح من أجل أن تشهرنه في وجوه بعضكن بعضاً ، اهدئي وحطي عقلك في رأسك .

قالت : وحلف عليَّ بالطلاق ، وبفسخ كتب الكتاب إذا خرجت" (136) .

* * * *

لقد رصدت الرواية الفلسطينية أشكالاً متعددة لنضال المرأة الفلسطينية بحيث يمكن حصر هذه الأشكال فيما يلي :

1- التشبث بالأرض : إذ شاركت المرأة في التصدي للهجمة الصهيونية التي استعانت بإغراءات المال تارة ، إضافة إلى اتخاذ القمع والقهر والبطش أدوات لتنفيذ مآربها المتمثلة في مصادرة وتهويد الأرض الفلسطينية تارات أخرى ، فكانت معركة الدفاع عن الأرض إثباتاً للهوية الفلسطينية وللحق الفلسطيني .

2- التعبئة والتحريض : حيث حرصت العديد من النماذج النسائية - كما وردت في الروايات المدروسة- على تحريض أبنائهن وحثهم على مقاومة الاحتلال ، وعدم القبول بواقع التشرد واللجوء ، ولم تفقد كثير من تلك النماذج إيمانها بأن النهوض لابد

أن يعقب الانكسار ، لذا وجدنا بعض الشخصيات النسوية تختار الانخراط في مهمات توجيهية وتعبوية مختلفة : (جمع التبرعات ، توزيع  المنشورات ، شرح المواد التحريضية ، توزيع الأعلام ، المشاركة في المظاهرات والاحتجاجات) .

3- حمل السلاح والمقاومة : اهتم الروائي الفلسطيني بإبراز نماذج لنساء حملن السلاح، وشاركن في الدفاع عن الأرض والثورة مزودات بالثقافة والمعرفة ، والقدرات التنظيمية ، بحيث رأينا بعضاً منهن يسقطن شهيدات الواجب في عمليات عسكرية ضد الاحتلال ، إضافة إلى اعتقال أخريات ممن أبدين صموداً في وجه المحققين    والجلادين ،  فلم ينكسرن أمام آلة البطش والتعذيب .

        ورغم تلك الصور النضالية النسائية المختلفة فإن هناك قطاعات في المجتمع الفلسطيني ما تزال تنظر بعين التوجس لمشاركة المرأة الرجل في حمل السلاح بدعوى أن ذلك يتعارض مع الأعراف الاجتماعية المتوارثة .

 

*    *    *

هــوامش :

 

1-غازي الخليلي ، المرأة الفلسطينية والثورة ، مركز الأبحاث ، منظمة التحرير الفلسطينية ، بيروت، يونيو 1977 ، ص93 .

2-وفيقة حمدي الشاعر ، دور المرأة في التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، منشورات الطلائع 1975، ص59 .

3-عكا والرحيل ، إلياس أنيس الخوري ، مطبعة دار العلم ، دمشق 1987 ، ص11-12 .

4- المصدر السابق ، ص13 .

5- غسان كنفاني ، الآثار الكاملة ، المجلد الأول ، رواية برقوق نيسان ، ط3 ، مؤسسة الأبحاث العربية ، ببيروت 1986 ، ص586 .

6- ينظر : رشاد أبو شاور ، العشاق ، ط5 ، وزارة الثقافة ، غزة ، 1999 .

7- ينظر : أحمد عمر شاهين ، وإن طال السفر ، دار الثقافة الجديدة ، القاهرة 1977 .

8- صخر أبو نزار ، النهر الغريق ، مؤسسة العنقاء ، رام الله ، يناير 1999 ، ص20-21 .

- الرواية كتبت في آيار 1977 كما هو مثبت في آخرها .

-نشرت الرواية مسلسلة في مجلة وطني عام 1985 .

9- رشاد أبو شاور ، البكاء على صدر الحبيب ، ط2 ، دار الحقائق ، بيروت 1983 ، ص84 .

10- ليانة بدر ، بوصلة من أجل الشمس ، ط1 ، دار ابن رشد ، بيروت 1979 ، ص94 .

11- المصدر السابق ، ص48 .

12- رواية البكاء على صدر الحبيب ، مصدر سابق ، ص79 .

13- المصدر السابق ، ص79 .

14- السابق ، ص80 .

15-جبرا إبراهيم جبرا ، صراخ في ليل طويل ، ط4 ، مكتبة الشرق الأوسط ، بغداد 1985 ، ص18 .

16- المصدر السابق ، ص54 .

17- السابق ، ص89 .

18- كتبت الرواية بحسب ما أثبت المؤلف في خاتمتها عام 1946 ونشرت طبعتها الأولى في بغداد عام 1955

19- د.واصف أبو الشباب ، فنون النثر في الأدب الفلسطيني ، منشورات روائع مجدلاوي ، عمان الأردن 1998، ص103-104 .

20- رواية صراخ في ليل طويل ، ص92 .

21- المصدر السابق ، ص74-79 .

22- رواية بوصلة من أجل عباد الشمس ، مصدر سابق ، ص21 .

23- المصدر السابق ، ص21 .

24- السابق ، ص22 .

25- السابق ، ص57-58 .

26- رواية وإن طال السفر ، مصدر سابق ، ص77 .

27- ينظر : عكا والرحيل ، ص12-17 .

28- د.منصور عيد، قضايا إنسانية في روايات إملي نصر الله ، ط1 ، دار الفكر اللبناني ، بيروت1995، ص80.

29- د.حسان رشاد الشامي ، المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985 ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 1998 ، ص38 .

30- عكا والرحيل ، مصدر سابق ، ص40-41 .

31- يحيى يخلف ، نشيد الحياة ، ط2 ، دار الحقائق ، بيروت1983 ، ص46 .

32- العشاق ، مصدر سابق ، ص220 .

33- نشيد الحياة ، مصدر سابق ، ص62 .

34- السابق ، ص133 .

35- بوصلة من أجل عباد الشمس ، مصدر سابق ، ص26 .

36- البكاء على صدر الحبيب ، ص35 .

37- العشاق ، ص122 .

38- نشيد الحياة ، مصدر سابق ، ص141 .

39- السابق ، ص155 .

40- السابق ، ص166 .

41- بوصلة من أجل عباد الشمس ، ص6 .

42- فيصل حوراني ، بير الشوم ، ط1 ، دار الكلمة للنشر ، بيروت 1979 ، ص177 .

43- انظر : المصدر السابق ، ص184 .

44- السابق ، ص229 .

45- وإن طال السفر ، مصدر سابق ، ص46 .

46- نشيد الحياة ، مصدر سابق ، ص16 .

47- البكاء على صدر الحبيب ، ص58 .

48-د.منصور عيد، قضايا إنسانية في روايات إملي نصر الله ، ط1، دار الفكر اللبناني، بيروت 1995،   ص86.

49- العشاق ، مصدر سابق ، ص66 .

50- السابق ، ص137 .

51- البكاء على صدر الحبيب ، مصدر سابق ، ص84 .

52- حفيظة محمد سعيد أحمد ، الفن القصصي في أدب المرأة الفلسطينية المعاصرة ، رسالة ماجيستير، معهد الدراسات الإسلامية ، شعبة اللغة العربيةوآدابها ، القاهرة 1996 ، ص96 .

53- عكا والرحيل ، ص79 .